الحريات العامة

          يُعَرِّفُ الغنوشي الحرية على لسان برتراند راسل أنها غياب الحواجز أمام تحقيق الرغبات، ومن ذلك نرى أن مفهوم الحرية مطاط وغير منضبط، مثله في ذلك كمثل العديد من المفاهيم الأخرى من مثل القضاء والقدر. وقد وضع بن عاشور الحرية كمقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية. فالحرية في الإسلام ليسَتْ حق يُطالبُ بهِ الأفرادُ في المجتمعِ وإنما هي واجب من الضروري المحافظة عليه.

 

        يتمُ توجيه الكثير من أوجه النقد إلى الديمقراطيةِ بوصفِها نظام غربي يُخرجنا عن ملة الإسلام كوننا عن طريقها نَحْتَكمُ إلى إرادة الشعب ونُهمِلُ إرادة الله، فيتم من ذلك مُرادُ الحاكم في إهدارهِ آلية هامة وحيوية لتداول السلطة، ليضمن بقاؤهُ في الحُكمِ إلى يوم مماته، وهو الغرض الذي يجب أن نفوته عليه. فالديمقراطية فيما يرى الغنوشي يُمكِنُ عن طريقها تحديد شخص الحاكم واختياره، أما مسألة منهج الحكم فهي ثابتة من قِبَلِ الله تعالى ومُحدَّدَة في النصوصِ الدينية، وهو الأمر الذي قد يثير الكثير من الإشكاليات العملية نتيجة لعدم توحد الآراء جهة المواضيع الفقهية والدينية المختلفة، ولذلك يجبُ تحديد الآراء الفقهية التي سوف يتمُ العمل بها من خلالِ استفتاء شعبي حتى تكون محل توافق وقبول مِن الجميعِ.

 

        الحرية الدينية مكفولة مِن قبلِ الله عز وجل عندما قال تعالى في كتابهِ الكريم أن لا إكراه في الدينِ، ولذلك لا يوافقُ الغنوشي على حد الردةِ وتطبيقه متفقاً في ذلك مع بن عاشور والعوا وغيرهم، ويرى أن جريمة الردة تعتبر من قبيلِ الجرائمِ السياسيةِ عندما كانت تُطَبق. فقد عفى رسول الله  r عن عبد الله بن أبي صرح وقد أوصى بقتله وإن تعلق بأستار الكعبة بوصفه مِن المُرتدينَ، فليس من المعقول أن يُفَرِّطُ رسول الله  r في حدٍ مِن حدودِ اللهِ إن كانت الردة كذلك.

 

أما عن حقِ المُساواة فهو مَكفول في الشريعةِ الإسلاميةِ، ويَسوقُ البعضُ الآية الخاصة بقولهِ تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) ويدللونَ بها على أن الإسلام لم يساوي ما بين المسلم وغيره، وقد رد الغنوشي على هذه الشبهة، بأن هذه الآية نزلت في من يقاتلون المُسلمين ويعتدونَ عليهم دون غيرهم، وحتى كنية أهل الذمة التي يُكنَّى بها غير المسلمين لا يكون هناك حاجة لاستخدامها إن كان من شأن ذلك إقرار أي تفرقة بين المسلمين وغيرهم، وقد ثبت عن رسول الله  r أنه كان يقومُ لأي جنازة مارة به، سواء كانت هذه الجنازة لمُسلم أو لغير مسلم.

 

أما عن حريةِ إقامة الشعائر فهي مَكفولة في الإسلامِ، وهو الأمر الثابت بأمر الرسول r للسرايا القتالية المُتحَركة من ضرورة عدم إيذاء الكهنة وأهل الدين وسدنته أو حتى منعهم من مُمارسة عقائدهم.

والحق في الدعوة أيضاً مكفول للجميع، وذلك ثابت بقول الرسول  r (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) فيكون حقهم في الدعوة ثابت كما هو الحال بالنسبة للمُسلمين، ويمكنُ دائماً الدفاع عن الدينِ بواسطة الموعظة الحسنة والجدال بما هو أحسن بغير منع الغير من ممارسة حقه في الدعوة لما يراه صحيحاً.

 

لم ينجح الغنوشي في إيضاح حرية التعبير على الوجه الأكمل، من جانبي أرى أن حرية التعبير يجب أن يحدها ضوابط معينة وإلا صارت عبثاً، فلا يمكن على سبيل المثال السماح لشخص معين برسم زوجة آخر عارية وينشر تلك الرسوم ويدعي أن ذلك من حرية الرأي.

 

الإسلام أعتبر حق الملكية حق معتبر ولم يهدره كما فعل النظام الشيوعي، الأمر الذي ترتب عليه إنهيار النظام الشيوعي بأكمله. وقد تحدث الغنوشي عن العديد من الحقوق الاجتماعية الأخرى، من مثل الحق في التعلم والحق في العمل والحق في الرعاية الصحية وبناء الأسرة وحق اللجوء ويذكرُ جُملة مِن النصوصِ الدينية التي تدعم تلك الحقوق.

 

الصحيفة كانت أول وثيقة دستورية وكانت دقيقة رغم تشكيك المؤرخينَ فيها، ومصادر التشريع هي دائماً القرآن والسنة وغيرهما ِمن الطرق التي يمكن من خلالها استنباط الأحكام الفقهية من النصوص، وذلك فضلاً عن الشورى كمبدأ يتم عن طريقه التوصل للقرارات الخاصة بالأمةِ. ويقرر الغنوشي أن الشورى في العصر الحالي يمكن أن يتم تجسيدها من خلال المجالس النيابية. أما عن أولي الأمر فقد  أختلف الفقهاء في شأنهم، فمنهم من قال أن أولئك هم الحُكام والرؤساء، ومنهم من قال أنهم العلماء والفقهاء أو هم العالمون ببواطن الأمور في كل علم من العلوم، أو هم الشعب نفسه، والرأي الأخير هو ما مال الغنوشي إليه.

        كان للغنوشي رأي لا أوافقه عليه في شأن الشروط الواجب توافرها في نواب مجلس الشعب (أعضاء الشورى)... فيرى أنه يجب أن يتوافر فيهم شرط العقل والبلوغ والعلم والإسلام، والشرط الأخر هو ما لا أوافق عليه، فكم من السلاطين والحكام اتخذوا مستشارين من أصحاب الديانات الأخرى، ثم أنه لا يوجد في الشرع ما يمنع ذلك، فالشرط الواجب الالتفات إليه دائماً هو العلم والكفاءة بغير النظر إلى أي اعتبارات طائفية أخرى.

 

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا