التفكير العلمي

        يذكر الكتاب مُفارقة هامة وأن الأمم العربية عادة ما تتفاخر بأمجادها العلمية القديمة بغير اهتمام بمُستقبلها العلمي، وهو الأمر الذي يدلُ على تناقض شديد، فمَن يَفخْرُ بالماضي يجبُ أن يحاول تَصَدر المُستقبل.

 

        هُناك خمسة خصائص هامة للبحثِ العلميِّ ...

  1. التراكم: والتراكم على نوعين...
  • أفقي: في العلومِ الإنسانية (علم النفس والاجتماع والعلوم الفنية على سبيل المثال) حيث يكون الاهتمام بالنظريات القديمة قدر الاهتمام بالحديث.
  •  رأسي: في العلومِ العلمية (الفيزياء والكيمياء مثلاً) حيث توضع النظريات بعضها فوق بعض في بُنية رأسية بحيث تفقد النظريات القديمة أهميتها مقارنة بما أنتهى إليه الحديث مِن العلمِ، فقد يتم اللجوء إلى النظرية الحديثة مباشرة فيتم دراستها والعمل عليها بغير الاهتمامِ بما أدى إليها في الأساس.
  1. التنظيم: عندما يتأملُ الإنسان في أمر من الأمور فهو يفكرُ، ولكن تفكيره في هذه الحالة ليس علمياً، فيجب أن يكون هذا التفكير مُنَظم حتى يوْصَّف بكونه علمياً.
  2. معرفة الأسباب: عند حدوث ظاهرة مُعينة لا يَجِبُ أن نكتفي بنتيجتها بل يجب معرفة سببها، فلا يجب أن نكتفي بمعرفة أن النيل يفيضُ في موسمهِ المعلوم وأنهُ نتيجة لذلك يفيدُ في الزراعةِ، بل يجب معرفة لماذا يفيضُ النيل في الأساسِ.
  3. الشمولية والتجريد: فقد أنتهى اسحاق نيوتن إلى قانون الجاذبية الأرضية ولم يَقُلْ أن الفواكه تتساقط من الأشجار وتنجذب جهة الأرض في العادةِ، وأنتهى من بعد ذلك إلى صورة قياسية لقانون الجذب.
  4. الدقه: فلا يُعتبَرُ السحر من قبيل العلوم، فنتائجه غير دقيقة وقد تَحدُث نتائجه مرة وتفشل مرات.

        عندما كانت قدرة الإنسانيةِ على الفهمِ محدودة كان الإنسان يتعامل مع الأشياء بمفهوم حيوية الطبيعة، فكان يرى أن البحارَ والسُحب والرياح والأمطار لها طبيعة حيوية لتقوم بوظائف محددة لها فوائد كثيرة بالنسبة لهُ، ولذلك خلق اليونانيون القدامى لأنفسهم آلهة بحيث تكون هي المسئولة عن الأمطار والرياح الخ... وذلك بالطبع كان نتيجة فشلهم في تفسير الطبيعة، فكانوا يرون أن البحر يكونُ عاصفاً عندما يغضبُ إله البحر بغير محاولة منهم للوقوف على الأسباب العلمية لذلك. وبعد ما مرت الإنسانية بفترة طويلة من الرشاد أنتقلت في تناولها للعلوم من مبدأ الحيوية السابق الإشارة إليه إلى المبدأ الطبيعي الذي يتم تفسير الظواهر فيه بحسب المعادلات الكيميائية والظواهر الفيزيائية المؤدية إلى ذلك.

        هُناك الآن ارتداد ظاهر بين فئة معينة مِن الناس على أساسيات البحث العلمي، فيقوم الكثيرون الآن بالتعويل على آلات الحظ وقراءة الطالع، بل وهناك محاولات حثيثة من قِبَلِ الكثير من الناسِ لإثبات علمية الأساطير والخرافات كمثل كتاب أرواح وأشباح للأستاذ/ أنيس منصور، وإن جادَلت أولئك يقولون أن للعلم نتائج لا يمكن تفسيرها الآن قد يمكن تفسيرها في المستقبل، ويردون أيضاً أن الدين يقول بوجود الحسد مع عدم إيمان العلم به، ولذلك ينوه الكاتب في نقطة هامة على ضرورة عدم خلق تصادم بين الدين والعلم، ولنا في الغرب عبرة فقد جابهت الكنيسة الثورة العلمية وحاولت مُحاربتها وفشلتْ في ذلك، وما ترتب على الأمر في النهاية هو تزعزع الإيمان الديني عند الكثير من الغربيين.

        هناك ما يُسمى بالسلطة العلمية، والمقصود منها وجود بعض المبادئ والنتائج العلمية التي يؤمن بها الشخص ويجد صعوبة في نفسه أن يخرج عليها خوفاً من نقض الآخرين أو لوقوعه فريسة للجمود العلمي وتقبله للحلول الجاهزة، وهُناك عدة خصائص تكون متوافرة في السلطةِ العلمية منها...

  1. الانتشار الرأسي: ويقصد بهِ أن المبدأ أو النتيجة العلمية تكون بالغة القدم يَصعب على الشخصِ هدمها في الوقت الحالي.
  2. الانتشار الأفقي: وفيه ينتشر المبدأ بين الكثير من الناس، وعادة ما يكون هذا المبدأ بسيط وسهل، فيصعب على الباحث العلمي هدمهُ لتعلق الكثيرون به.
  3. الشهرة: سواء كان انتشار المبدأ رأسي أو أفقي يجِبُ أن يكون شهيراً وهذه الشهرة هي التي تعطيه قوة على قوتهِ فيصعب مجابهته من قبل الباحث العلمي.

 

        العلم في العصور القديمة ظهر على يد اليونانيين الذين كانوا يهتمون بالعلوم الذهنية أكثر من العلوم العملية، فكان من مبادئهم أن العبيد فقط هم من يعملون بأيديهم، لذلك لم يكن العلماء اليونانيون ليهتموا بالعلوم المتعلقة بالكيمياء والتعدين والتنقيب، بل كانوا يهتموا بالعلوم الذهنية من مثل الفلسفة والفلك والرياضيات.

 

        وفي العصور الوسطى كان هناك شخصنة للعلوم، فكانت النتائج العلمية تختلف باختلاف انتماءات الشخص الذي يتناولها، ومن سمات العلم في هذه الفترة أنه كان يتسم بالتجريد عند العرب حتى تلقفه الغرب منه، ثم ظهر عصر النهضة العلمية في أوروبا على يد بيكن الذي وضع النظريات العلمية محل التطبيق.

 

       العقول الإلكترونية والحاسب الآلي أصبح الآن يقوم بوظيفة هامة بالنسبة للعلم، فمن خلاله يتم استحفاظ المعلومات وتخزينها، ولذلك لم يعد مطلوب من العلماء الآن استحفاظ أكبر قدر من المعلومات بقدر ما تكون لهم القدرة على تحليل تلك المعلومات والوصول إلى نتائج مُختلفة.

 

من الصفات الهامة الواجب توافرها في العالم...

  1. النقد: التمتع بالعقلية النقدية التي يتم إسقاطها على كل ما حوله للوقوف على كل ما هو جديد.
  2. النزاهة: فالعالم لا يسرق من مجهودات الغير وينسبها لنفسه.
  3. الحياد: فلا يدافع العالم عن نظريته الفاشلة لمجرد نسبتها إليه، ولا يدافع عن موقف معين إنطلاقاً من انتماءه العقائدي أو العرقي.

 

د/ فؤاد زكريا

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا