روبرت أو. كولينز - تاريخ السودان الحديث

        درجة الحرارة في السودان قد تصل إلى 49 درجة خلال شهري إبريل ومايو، والسودان يكون مُعرض لريح مُحمَّلة بالأتربةِ في شهر يوليو "الهبوب" وهناك تفاوت هائل في درجة حرارة السودان، الأمر الذي يجعلها متنوعة تنوع كبير مِن حيثُ الثروات الطبيعية، أما عن التكوين القبَّلي فهو عبارة عن الجعليين (عرب) والنوبيين (أفارقة)، وهُناك أيضاً قبائل جُهينة التي كانت تقطن جنوب مصر ثُمَّ انتقلَت إلى شمالِ السودان.

        دَخَلَ مُحمد علي السودان سنة 1820 وقد لاقَت جيوشه في البدايةِ مقاومة من قبائل "الشايقية" والتي أعلنت إستسلامها فيما بعد وانضمت إليه لفتح باقي السودان، وقد استقرت الأمور للمصريين حتى قامَ إسماعيل باشا إبن محمد علي بزيادة الضرائب فتم حرقهُ هو وحاشيته وقصره وقامت ثورة عارمة في أرجاءِ البلاد... نصورة تظهر شكل عاصمة السودان - الخرطومجح محمد علي في السيطرة عليها فيما بعد. تم إنشاء مدينة الخرطوم سنة 1825من قبل عثمان بك[1]، وقد أسماها كذلك لتشابه شكلها الجغرافي وخرطوم الفيل. عُيِّنَ من بعد ذلك خورشيد باشا والي للسودان في الفترة من 1827 وحتى 1838 والذي نجح في تصدير الرقيق إلى مصر ليُحاربوا في جيوش محمد علي[2]، وجاء من بعده أحمد باشا أبو ودان في الفترةِ من 1838 وحتى 1843 والذي مات مقتولاً بالسُم على يد أحد بنات محمد علي والتي كانت زوجة له. وعندما آلت الأمور إلى عباس الأول من بعد محمد علي، عزز السودان بالمال حتى يُحدِّث فيها تطوراً ويُحَافِظُ عليها من بعد ما فَرَطَ أبوهُ فيها نتيجة للوثة العقلية التي أصابته في أواخر عمره. وعندما تولى محمد سعيد الحكم أهمل السودان وقام بالتفريط فيها، أما الخديوي إسماعيل فقد قام بتحديثها وبنى جيش قوي، وقد نجح "الزبير رحمة منصور" في فتح دارفور سنة 1874 من بعد ما هزم جيشهم[3] أثناء تولي الخديوي إسماعيل حكم مصر.

 

        في عام 1881 قام محمد المهدي بدعوة بعض المقربين له لاتباعه بوصفه المهدي المنتظر، وأنه رأى رسول الله ص ينصحه أن يَهِبُ لنَصْرَة هذه الأمة، وقد جهر بدعواه تلك في النهايةِ وانضمَ إليه الكثيرون واندلعت الثورة المهدية في ذات العام، وقد حقق محمد المهدي انتصارات عديدة أغرَتْ الكثيرون للانضمام إليه لنصرة الإسلام ومات المهدي بعد هذه الانتصارات ليترك الساحة خالية خلفه ليتنافس عليها إثنان من أكبر قواده ليستقر الأمر في النهاية لشخص كُنيَته "الخليفة" والذي وَجَّه جيشه لدارفور للسيطرة عليها ففوجئ بمقاومة قبائل الفور والمساليت اللذان تمكنا من ضحد جيشه وجبره على التراجع، إلا انه في عام 1889 مات قائد جيش درافور الأمر الذي أوهَن من قدرة جيشه ليتمكن منه الخليفة في النهاية لتخمد مقاومة دارفور ولا تخمد نزعتها الإنفصالية. في عام 1899 تمت محاصرة الخليفة بواسطة الجيش البريطاني بقيادة "السير وينجت" فوجد ميتاً وقت الاقتحام لتنتهي الثورة المهدية عند هذا الحد وتبدأ فترة الحكم المصري البريطاني المشترك.

        بعد أن تحولت السودان إلى الحكم المصري البريطاني المشترك استطاع "علي دينار" السيطرة على دارفور ولكنه مال إلى الاتراك في الحرب العالمية والأولى تحكمه في ذلك نزعة دينية لنصرة بني دينه على الكفار، ولذلك قام البريطانيون بمُحاصرته وقتله عام 1916[4]، في هذه الفترة قام سير وينجت بنشر المسيحية والملابس الغربية في الجنوب ودعم التبشير هناك[5]، وفي ذات الوقت قام بدعم الإسلام التقليدي على حساب الإسلام الصوفي في الشمال لأسباب سياسية، وفي سبيله لدعم المسيحية في جنوب السودان قام السير وينجت بمنع انتشار الإسلام فيه عن طريق الجلابة (التجار) المسلمين حتى تخلوا الساحة أمام الانتشار الآمن للمسيحية[6]، فمنع حصول أولئك الجلابة على التأشيرات اللازمة لهم ليصلوا إلى الجنوب.

        بعد قيام الإنقلاب العسكري في مصر من قِبَلِ الضباطِ الأحرار وتولي محمد نجيب الحكم في مصر تمَّ الضغط في اتجاه إعطاء حق تقرير المصير للسودان، ودعم ذلك قيام المصريون بمراوغة سياسية لدعم حزب معين يرضى عنه البريطانيون على حساب آخر حتى يتم إحكام قبضة السودانيين على بلادهم، ولكن نتيجة لقيام المسئولين السودانيين بتعيين موظفين شماليين في القطر الجنوبي وإقصاء الجنوبيين من تولي أي مناصب قامت الثورة الجنوبية على الشمال سنة 1955 وخلفت هذه الثورة عدد 336 قتيل[7]. وقد تمت السيطرة على الأوضاع من بعد ذلك واستطاع "إسماعيل الأزهري" الذي يعتبره الكثيرون الأب الروحي للسودان أن يستقل بالسودان في يناير 1956 ليرفع العلم السوداني ويقوم بإنزال العلم المصري البريطاني.

        لم يمضي كثير من الوقت على تولي إسماعيل الأزهري الحكم حتى قام سيد المرغني وسيد عبد الرحمن بالتعاون ضد إسماعيل الأزهري وإقصاءه عن الحكم، ولكنهم تصارعوا مع بعضهم البعض من بعد ذلك ليتولى رئاسة البلاد قائد جيش السودان آنذاك "علي عبود"، وقد حكم علي عبود من خلال مجلس عسكري يضم قادة جيشه، ولكنه قام بعزل إثنان منهم بعد توليهِ الحكم الأمر الذي جعلهم يقومونَ بانقلابٍ ضده مُستغلين ما تحت يدهم من قوات ولكن محاولتهم تلك باءت بالفشل وتم إعدامهم من بعد ذلك، وكان علي عبود أو بابا عبود هو الموقع للاتفاقية الخاصة بكيفية الانتفاع بنهر النيل عام 1959، فقد كان على الطرف المصري أن يؤَّمِن حصته من المياة قبل أن يقوم ببناء السد العالي لتصل نسبة ما يحصل عليه المصريون إلى 55,5 مليار لتر سنوياً طبقاً لما هو وارد في الاتفاقية،  وقد عْيب على هذه الاتفاقية إهمالها التام لحقوق دول إفريقية أخرى على حوض النيل كانت على وشك الاستقلال ويحقُ لها التمتع بماء النيل على نحو مماثل. وقد كانت لبابا عبود محاولات حثيثة لأسلمة الجنوب الأمر الذي لم يستجب له الجنوبيون، فأدى ذلك إلى ارتعاش يد إبراهيم عبود على مقاليد الحكم وعزله في اكتوبر 1964 بواسطة ثورة بيضاء يعتبرها الشعب السوداني أيقونته إلى الآن.

       آلت الأمور إلى "المحجوب" من بعد باب عبود، ولكنه لم يتعلم من سلفه فقام بغض الطرفِ عن كثير من التجاوزات التي تحدث ضد الطرف الجنوبي، فقد تعارك جندي من الشمالِ مع أحد المواطنين من الجنوب من أجل عاهرة فقتل الجندي بواسطة الجنوبي، الأمر الذي دفع الجنود الشماليين لقتل 1400 جنوبي معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ، وقاموا من بعدها بالاعتداء على عرس للجنوبيين قاموا خلاله بقتل 76 من شيوخ وزعماء الجنوب، ليتولى من بعد ذلك جعفر النميري سُدَّة الحكم بإنقلاب عسكري شبيه بحركة الضباط الأحرار القائمة في مصر سنةجعفر النميري 1969، ولكنه استمر في مناهضة الجنوب وقيل أنهُ أصيب بالهوس في نهاية فترة حكمه وقام بتطبيق الشريعة الإسلامية وهو الذي لم يعرف عنه التدين طوال حياته، بل كان يُعاقر الخمر ويعشق الحضارة الغربية، وقد كان يطبق الحدود الإسلامية في العلن وكان يحضرها نائبه "حسن الترابي" الذي فقد الوعي ذات مرة عندما حضر تطبيق إحدى هذه العقوبات، وكانت تلك الممارسات جميعها بمثابة قطع العلاقات نهائياً بين النميري وبين الجنوب مع استمرار سخط الشمال عليه الأمر الذي أدى إلى قيام جموع السودانيون بعصيان مدني وثورة بيضاء أدت إلى عزله عن الحكم ونفيه إلى القاهرة التي قضى فيها 14 عام حتى وافته المنية وذلك في عام 1985.

        تولى أمر السودان من بعد النميري الصادق المهدي وقامت حرب أهلية آنذاك بين البقارة والدينكا، وفي فترة ولايته قام القذافي بالتدخل في دارفور في محاولة منه لغزو تشاد، وكذا قامت حرب أهلية أخرى بين الرزيقات والفور في إقليم دارفور، الأمر الذي أدى إلى إنقلاب عسكري آخر عام 1989 بقيادة عمر البشير قام منحسن الترابي خلاله بالقبض على رموز ووزراء النظام السابق بما فيهم الترابي الذي تم القبض عليه بشكل صوري ليتم الإفراج عنه بعد ذلك بأربعة أشهر ويقوم البشير نفسه بأداء البيعة له ليحاول الترابي المُنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين تطبيق الشريعة ومساندة الجهاديين الأمر الذي أثار سخط الغرب عليه واضطر معه لتسليم بعض العناصر الإرهابية للغرب الأمر الذي أثر على شعبيته بين مريديه ومَهَدَ  لفوز البشير في الانتخابات التالية عام 1996.

      أما عن مشكلة دارفور فيُرجعها العالمون بالأمور إلى 40 سنة مضت، فقد قام سليمان صولونغ بتوحيد قبائل دارفور من بعد الانتصار عليها ليُصْبِح أول حاكم لهذا الإقليم، وقد كان لهذا الإقليم رغبة مُلحة في الإنفصال يُمكن الوقوف عليها من خلال متابعة تاريخ هذا الإقليم، وقد قام معمر القذافي بطلب الوحدة مع السودان مِن النميري، وقد تم رفض طلبه، الأمر الذي دفع القذافي لإرسال الفيلق الإسلامي إلى إقليم دارفور من بعد ما تمت الإطاحة بالنميري، وفي عام 1990 تمت محاربة الفيلق الإسلامي وإجباره على التراجع، وفي ذات العام فشلت الحكومة في التعامل مع المجاعة التي اجتاحت دارفور وباتت تحصد الرؤوس، وأنتشر آنذاك ما يسمى بالكتاب الأسود الذي يصف بالأرقام والحقائق التمييز السلبي الذي يُلاقيه سكان إقليم دارفور، حيث أن 80% من شاغلي والوظائف الحكومية في الدولة هم من الشماليين. الأمر الذي أدى لوقوع تمرد عام 2003 من جبهة تحرير دارفور الذي انقسم بدوره إلى جيش تحرير السودانSLA  وحركة تحرير السودان SLM، وعندما أصبح الجيش غير قادر على مقاومة تلك الموجة الثورية استعان بالجنجويد وهم ميليشيات من العرب تم تسليحهم بواسطة الحكومة لوأد الثورة الدارفورية، فقاموا بارتكاب مذابح وجرائم إبادة جماعية في حق الدارفوريين، وقد تصاعد الوضع من بعد ذلك على نحو درامي أدى إلى تسريح 25 ألف مقاتل من أصول دارفورية، وأعلن كل جانب أنه يسيطر تماماً على الأمر بغير وجود أدلة على ذلك، الأمر الذي أدى في النهاية لعقد اتفاقية نجامينا التي كانت بمبادرة من رئيس تشاد الذي انزعج من أعداد اللائجين المتزايدة الوافدة على حدوده، وبعد هذه الاتفاقية تم توقيع أخرى في أبوجا سنة 2006 ولازال الوضع في غاية السوء إلى الآن.

 

 


[1] 31

[2] 33

[3] 40

[4] 54

[5] 54

[6] 60، 61

[7] 86

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا