حي بن يقظان

كامل كيلاني

حي بن يقظان

دار المعارف

1991

الطبعة الرابعة عشر

 

        كان هناك ملك شديد الأنفة، لهُ أخت غاية في الجمال، عزف أن يزوجها أي من الرجال لظنه أن لا كفء لها بينهم. فلما سافر الملك لملاقاة أعداءه وتأخر في عودته، ظن أهله وشعبه أنه مات، فتزوجت أخته من قريب لها كريم الشمائل يقال له يقظان وحملت منه طفلاً. عاد الملك من بعد طول غيابه، فخافت أخته أن يعرف الملك بأمر زواجها من يقظان وحملها طفل منه، فعندما علمت بقدوم الملك وضعت ابنها في تابوت وألقت به في النهر، فحمله النهر إلى جزيرة "الواقواق" وهي جزيرة بعيدة لا يعيش فوق ظهرها بشر، فما وصل التابوت إليها أخذ الصبي في الصراخ رغبة منه في الطعام، فسمعته ظبية من الظباء كان قد مات لها ولد فحنَّت لبُكاء الطفل الذي هو "حي بن يقظان" فأخرجتهُ وأرضعتهُ.

        كان حي بن يقظان يخاف من جميع الحيوانات في الجزيرة فقد حباها الله بوسائل تمكنها من الدفاع عن نفسها، وهو كان قليل الحيلة عديم الأسلحة، لما بلغ بن يقظان السبع سنوات أتخذ من أوراق الشجر رداء له، ولما تقدم به السن أخذ من فراء الحيوانات رداء له ومن أجنحة بعض الطيور الضخام أجنحة يعلقها على كتفه ويُرهِبُ بها الحيوانات، وهو الأمر الذي حدث بالفعل.

        بعد مرور ردح من الزمان ماتت الظبية التي أرضعت حي بن يقظان لما تقدم بها العمر، فحزن عليها حي أشد ما يكون الحزن وحاول معرفة سبب وفاتها من خلال تقليبه لجسدها لمعرفة موضع الجرح أو العلة التي سببت لها الوفاة، فلما لم يجد شيئاً ظن أن السبب يرجع في الأساس إلى القلب الذي طالما سمع صوته وشعر أنه سبب في الحياة... فشق صدر الظبية عله يجد العلة ويحييها مرة أخرى، فلما فشلَ وقَبحت رائحة الظبية حب أن لا يراها مرة أخرى، وعندما رأى اثنان من الغربان يتقاتلان فيقتل أحدهما الآخر ويدفنه تعلم أن يدفن أمه الظبية وعاش من بعد ذلك في الجزيرة حتى وصل إلى سن الخمسين عاماً وأصبح حكيماً.

 

        في مدينة أخرى معمورة بالبشر كان هناك أخوان أخ اسمه "اسأل" وآخر اسمه "سلامان"، أما أسأل فكان كثير التفكر في الدين يفكر في مسائله بعمق وكان منطوياً عن الناس، أما سلامان فكان يأخذ بظاهر النصوص بغير تدبر ويحب مخالطة الناس، فحب أسأل أن يعتزل الناس تماماً ويسافر إلى جزيرة بعيدة يتعبد فيها، فسافر إلى جزيرة "واقواق" التي بها حي بن يقظان، فتعرف عليه هناك وعلمه أمور الدين فأحب حي ما يقول أسأل وأكد له أن ما يقوله يتفق مع الفطرة، ولما روى له أسأل عن أحوال الناس في مدينته أحب حي أن يرجع إليهم حتى يعظهم ويبين لهم حقيقة الحياة، فقال له أسأل أن ذلك أمر في غاية الصعوبة لعدم تقبل الناس للنصح والإرشاد، وظل حي متعلق بأمر سفره إلى المدينة وهداية من فيها حتى مرت بالجزيرة سفينة صعد على متنها أسأل وحي، وذهبا إلى المدينة المعمورة بالبشر، وبعد أن أعجب الناس بأمر حي بن يقظان وحقيقة نشأته انفضوا من حوله عندما بدأ وعظهم فكرهوه، فأحب حي أن يرجع إلى جزيرته مرة أخرى وصاحبه في ذلك أسأل ليتفرغا لأمور العبادة، وهو الأمر الذي كان حتى وافتهم المنية على ما هم عليه من حال.

        مؤلف القصة هو ابن طفيل والذي ولد وعاش في مطلع القرن الثاني الهجري في الأندلس، وقد عاش في بلاط السلطان من عمره سنين، وهو الذي قام بتزكية بن رشد عند السلطان، وله إضافة إلى قصته هذه مؤلفين في الطب، وقد تركت قصته حي بن يقظان أثر كبير على كتاب القصة من بعده، فقام العديد من الكتاب العرب والأجانب بتأليف القصص على منوال قصته، فهذا "دانيل ديفو" قام بتأليف روايته روبنسنكروزو متأثراً به وهو الحال بالنسبة لمؤلف طرزان وجليفر وغيرهم.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا