ضحايا الحداثة

د. مأمون فندي

ضحايا الحداثة

مكتبة الأسرة

٢٠٠٣

لم يعرف الكاتب الحداثة تعريف مانع، ولكنه عبر عنه في طيات ما كتب، فهي عنده مصطلح مركب يضم في طياته استخدام المنجزات العلمية الحديثة والاختراعات التكنولوجية، وكذا الاتجاهات الاجتماعية الحديثة من مثل العولمة وانتشار المعلومات وأهميتها. وفي ضوء المفهوم السابق يتناول الكاتب لمشكلات مجتمعنا ومشكلات الشرق الأوسط بوصفنا ضحايا لهذه الحداثة.

الحداثة تؤثر على الجميع الأمر الذي تبدى في لقاء الكاتب بماسح الأحذية المصري الذي التقاه في أسوان، فعندما سأله الكاتب عن حاله رد ماسح الأحذية أن أغلب السائحين يلبسون الأحذية الرياضية من انتاج شركتي نايكي وأديداس، الأمر الذي أثر على مهنته، فمن المعروف أن انتشار الماركات العالمية لهو من نتاج العولمة التي هي مفردة من مفردات الحداثة.

من شأن العولمة أن توحد الأنماط الثقافية الخاصة بالمجتمعات، وهو الأمر الذي عبر عنه د. عبد الوهاب المسيري بقوله: العولمة تحول اللغة إلى أصوات والإنسان إلى صرصار، وبالطبع فثقافات الشعوب تتوحد لتطابق ثقافة الشعوب الغربية الأقوى على ما انتهى إليه بن خلدون في مقدمته وأن الضعيف مولع دائماً بتقليد القوي، ويترتب على ذلك كله زوال الكيان الثقافي الخاص بالإنسانية كلها، فالتنوع لازم لقيام الثقافة وازدهارها كما أنتهى توماس إليوت الشاعر والفيلسوف الانجليزي المشهور.

انتشار المعلومات وتفتح الثقافات على بعضها البعض لهو من مفردات الحداثة، ويدلل الكاتب على وجوده وتأثرنا به بشكل سلبي من خلال ظاهرة تدخين نساء الطبقات الراقية للشيشة في مصر، فأصل الأمر يرجع إلى انه قد انتقلت عادة شرب الشيشة إلى باريس لإرضاء قطاع عريض من العرب الموجودين بباريس، وعندما سافر العرب إلى باريس وجدوا الشيشة فيها، فاستوردوها مرة أخرى على أنها عادة غربية.

حتى تتحقق الديمقراطية يجب أن تعلم الدولة كل شئ عن المواطن، فتكون جميع البيانات الخاصة به ظاهرة أمام أولي الأمر كأنها مصفوفة، ويجب كذا أن يتم تسكين المواطنين في شوارع واسعة يسهل الوصول إلى المواطن من خلالها، ورغم أن هذه المعطيات قد يتبادر للذهن تعلقها بالنظم الشمولية والديكتاتورية فالعكس بعينه هو الصحيح. فمن خلال خلق آلية سهلة يمكن للمواطن أن يصل بها إلى حكومته والعكس... تتحقق الديمقراطية، فإن تحقق ذلك فلن نعتمد على المخبرين للوصول إلى الناس، والناس عادة ما تكون رهن رغبة المخبر في إيذائهم أو العفو عنهم عن طريق ادعاءه عدم قدرته في الوصول إليهم. وتتحقق الديمقراطية كذا عندما نسمح للشرطة بالقبض على عدد قليل من الأشخاص المذنبين بغير المساس بغيرهم، ففي الحواري الضيقة والمدن المتلاصقة يتم محاصرة أصحابها بالكامل بواسطة القوات الحكومية لتحقيق النتيجة الأمنية المطلوبة.

العالم الآن صار منفتحاً على بعضه البعض، الأمر الذي امتد أثره إلى الصحافة فعندما أعلنت الحكومة المصرية سماحها للكيانات الخاصة بافتتاح الصحف، ظن الكثيرون أن الأمر سيكون سهلاً ... ليكتشفوا من بعد ذلك أن التكاليف الخاصة بهذه الصحف لا يمكن تغطيتها إلا من خلال الاستعانة بجهات تمويل خارجية، وإما اللجوء إلى الخليط السحري الخاص بالجريمة والجنس فيما يسمى بالصحافة الصفراء لتحقيق نسب توزيع مناسبة، وهو ما قامت به جريدة النبأ عندما نشرت فضيحة القس الشهير، فقد وصل ثمن النسخة من الجريدة يومئذ إلى عشرين جنيهاً، فهذا الخيار وإما اللجوء إلى جهات خارجية.

هناك تساؤل عن سبب عدم التخصص، وأن الصحفيين عادة ما لا يقنعوا بعملهم الصحفي وهو الخاص بنقل الخبر، ليتعدوا دورهم ويحللوا سياسياً الأحداث الجارية، وهم لا يستطيعون أن يصبحوا أبطال مسموعون إلا من خلال هجاء الولايات المتحدة الأمريكية حتى ولو كان بغير الحق طلباً للشهرة.

المثقف الشرق أوسطي يظل يبذل ويجتهد ويحلل طمعاً منه في الوزارة والحصول على لقب وزير، وبعد نيله للمراد يصير انتاجه الثقافي في منتهى الضعف والركاكة، وقد حلت دولة الكويت هذه الأزمة من خلال تعيينها الوزراء من المثقفين ثم عزلهم من بعد ذلك بغير الإبقاء عليهم فترة طويلة في الوزارة حتى يعود لهم رشدهم الثقافي، ويفيدون المجتمع بانتاجهم المنزه عن أي غاية.

أصبح كلامنا في الصحف كلاماً تافهاً يمكن تمييزه بسهوله ليكون من إحدى أنماط ثلاث، النمط الديني الذي يتسم بالسجع، والنمط الليبرالي الذي يتم حشوه بما هو غير مفهوم من الكلمات والذي يحمل قيماً مختلفة عن قيم مجتمعنا، ثم النمط الثوري، وعند قراءة أي نمط من الأنماط الثلاث يخرج القارئ خالي الوفاض منهم مهما بذل من جهد.

 

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا