عدم المشروعية وأسباب الاباحة

عدم المشروعية وأسباب الإباحة

 

       يُقصد بعدمِ المُشروعية إخلال الفعل بالمصلحةِ المَحميةِ بواسطةِ المُشرعِ وكذا مُخالفته للقانون المَكتوب، ولكن هل يُعتبَرُ عدم المشروعيةِ رُكن مِن أركانِ الجريمةِ: الرأي الراجح أنه لا يُعتبرْ كذلك...  ومع ذلك قالَ البعضُ أنهُ يعتبرُ ركن من أركانِ الجريمة كما سبق وأن نوهنا، فالنص العقابي إنما يقوم بحماية مُصالح هي التي تؤدي إلى وجوده، فإن تمَّ الاعتداءُ على المصلحةِ كان الاعتداء على النص الذي يحميها فنكون بذلك أمام حالة من حالاتِ عدم المشروعيةِ، أما إن لم يتم المساس بالمصلحة المَحمية يَكونُ الفعل مشروع لا عقاب عليه رغم النص على تجريمه في قانون العقوبات، وعدم المَشروعية تُعتبر ذات طبيعة موضوعية، لذلك قد يرتكب شخص فعل يظن أنه جريمة فلا يؤاخذ بها لأنها ليست كذلك رغم تَيقنهُ من أنهُ خالف القانون، ومن نتائج ذلك أيضاً أن فعل المجنون وصغير السن وغيرهم يُعتبرُ من قبيل الأعمال الغير مشروعة بغض النظر عن حالتهم العقلية، أما عن أسباب الإباحة (علاج الطبيب، تأديب الزوج، الدفاع الشرعي) فهي تُعتبَرُ أعمال مشروعة لأن المشرع نص على مشروعيتها بنفسه. أما عن جوهر عدم المشروعية فالبعض أخذ بالمعيارِ الشكليِّ، وبناء عليه إن تمت مُخالفة ما هو منصوص عليه في قانون العقوبات فالفعل غير مشروع وإن لم يخالفُ ما هو منصوص عليه فيه... كان مشروع بغض النظر عن مساسه بالمصالح المحمية، ومن النتائج المترتبة على الأخذ بهذا المبدأ أن القاضي لا يُشرِّع فهو يُفسرُ فقط، أما المَذهبُ الموضوعيِّ فينتهي إلى أن الفعل يُعتبَرُ مشروعاَ إن لم يمس بمصحلة معتبرة لدى المشرع، وإن مسَّ بهذه المصلحةِ فهو غير مشروع، ومن نتائج ذلك أن القاضي قد يُشرع في بعض الأحيان كتلك الحالات التي تكون معروضة أمامه وتمَّ فيها المساسُ بمصلحةٍ مُعتبرةٍ لم يعاقب عليها القانون. والمذهب الأول هو الأولى بالاتباعِ، ويكون من ضوابط الحُكم بعدم مشروعية الفعل مطابقتهُ لِما تمَّ النصُ عليه في قانون العقوبات وعدم وجود سبب من أسباب الإباحة.

 

أسباب الإباحة

 

        هي تلك الظروف التي نصَّ عليها المُشرِّعُ لتنفي صفة اللامشروعية عن الفعلِ، ويَنظَرُ كل تشريع إليها نظرة مختلفة، فالشريعة الإسلامية ترى عدم المشروعية من قبيل موانع المسئولية ففي الشريعة الإسلامية يُوجَدُ موانع عقاب خاصة بالفاعلِ وأخرى بالفعلِ. أما الفقه في إيطاليا وألمانيا فينظرون إلى أسباب الإباحة أنها مانع من موانع العقاب، وهناك فئة من الفقهاء ينظرون إلى أسباب الإباحة مضيقين من أثرها فيرون أنها تنفي الركن الشرعي، وهناك آخرين يرون أنها تمنع من قيام الجريمة ككل، والراجح في أساس أسباب الإباحة... انتفاء موجب التجريم.

        أسباب الإباحة ذات طبيعة موضوعية، فلا يُنظَرُ إلى الخصائصِ الشخصية لمرتكب الجريمة ولكن يُنظر إلى الشروط المنضبطة الخاصة بأسباب الإباحة (صفة الطبيب أو الزوج إضافة للظروف التي تم ارتكاب الجريمة فيها). ومن النتائج الهامةِ المُترتبة على ذلك أن الجهل بالإباحة لا يُعطِّلُ أثرها، فضابط الشرطة الذي يفتشُ شخص غير عالم بصدور إذن سابق بالتفتيش تتوافر في حقهِ أسباب الإباحةِ، ومن نتائج ذلك أيضاً أن الغلط في الإباحة يعتبر كحالةِ الإباحةِ الفعليةِ إن تمَّ التثبُت والتحري، أما في حالة تجاوز أسباب الإباحة فيتم التفريق بين حالة العمدِ والخطأ ففي العمد يُعاقبُ الشَخصُ عقوبة مُخففة على تجاوزه أما في حالة الخطأ فلا يُعاقبُ البتة.

 

ما هو الفرق بين أسباب الإباحة وغيرها من موانع العقاب الأخرى؟؟

1- عدم قيام الجريمةِ: هي تلكَ الحالة التي تتخلف فيها أحد أركان الجريمة فلا تقوم مِن الأساسِ، وهذه الحالة تبيح للمضرور من الفعل المُطالبة بالتعويض المدني عكس حالة الإباحةِ.

٢- عدم تطبيق القانون: القانون لا يطبق إلا إن ارتكبت الجريمة في نطاق مكاني وزماني معين، فإن لم يتمْ ارتكابها في هذين النطاقين لم يجزْ العقاب، ومع ذلك يظل وصف عدم المشروعية ملتصق بالفعلِ المُرتَكَب.

٣- موانع المسئولية: هي عوارض مُعينة تُصيبُ العقلَ وتؤثر على إرادة الجاني مثل السكر غير الاختياري والجنون وصغر السن، ومع موانع المسئولية يَظِلُ الفِعلُ غير مشروع عكس أسباب الإباحة، إضافة إلى أن أسباب الإباحة تكون مُتعلقة بعوامل خارجية ويكون المعيار فيها موضوعيِّ، أما موانع المسئولية فيكون المعيار في تقديرها شخصيِّ.

٤- حالة الضرورة: هي التي تم النص عليها في المادة ٦١ مِن قانونِ العُقوبات، وهي تبيح ارتكاب الجرائم تعويلاً عليها، ومع ذلك يمكن للمضرور من الجريمةِ أن يُطالبَ بالتعويضِ المدني لجبر ما لحق بهِ مِن ضرر، وذلك عكس أسباب الإباحة التي لا يترتب عليها مُسائلة مدنية لمَن يمارسها.

٥- موانع العقابِ: يُقصَّدُ بها تلك الأحوال الاستثنائية التي تكون الجريمة فيها متوافرة بالكاملِ ومع ذلكَ لا يتم العقاب عليها كون المشرع ارتأى مَصلحة مَرجوة من ذلك، والمثال على ذلك ما هو منصوص عليها في المادة ٤٨، ١٠٧ع مصري، فالراشي الذي يبلغ السلطات عن وقوع جريمة الرشوة يُعفى من العقابِ، والشريك في الجريمةِ الذي يبلغ السلطات عنها قبل وقوع الضرر منها يُعفى مِن العقابِ.

        أسباب الإباحةِ تنقسمُ إلى ثلاثةِ فئات... فهي تكون إما استعمال لحق وإما إستعمال لسلطة وإما استخدام لحق الدفاع الشرعي، وسوف نتناول للفئاتِ الثلاثة على التوالي...

 

استخدام لحق

       نصَّتْ المادةُ ٦٠ من قانون العقوبات على أنه لا مُسائلة على من استخدم حقاً مقرر له بمقتضى الشريعة، ويقصد بالشريعة المنصوص عليها في المادة القوانين بشكل عام وليست الشريعة الإسلامية على سبيل الخصوص، وقد تمَّ النصُ في المادة الرابعة من القانون المدني المصري على أنه "من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسئولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر"، ومن شروط استخدام الحق: يجب أن يتم ارتكاب الفعل لحماية مصلحة يعترف بها القانون، كأن يودع شخص أمانة عند آخر ويكون المودع لديه دائن للمودع فيمكن أن يقوم بعمل مقاصة بين دينه وما تم إيداعه لديه من أمانه. ويجب كذا أن يتم الالتزام بحدود الحق، ففي حق تأديب الولد يجب أن يقتصر الضرب على التأديب فلا يكون مبرح مسبب للإتلاف، ويجب كذا أن يكون الفعل المرتكب لازم لاستعمال الحق: وذلك من مثل الطعن على ذوي السفة العمومية فقد يكون في ظاهر ذلك السب ومع ذلك تم السماح بذلك لتغليب المصلحة العامة، ويجب كذا أن تتوافر حسن النية لدى الشخص مرتكب الفعل، فلا يكون الزوج الذي يؤدب زوجته قاصداً إيذائها والانتقام منها.

 

١- تأديب الزوجة: يجد الأمر مشروعيته في الشريعة الإسلامية التي نصت على ذلك وهي مصدر معتبر من مصادر التشريع في مصر، ولكن لممارسة هذا الحق ضوابط واجب توافرها من مثل أن يكون صادر من ذي صفة (الزوج) وأن يكون هناك موجب للتأديب (كأن تكون الزوجة عصت الزوج في أمر مشروع) التزام حدود التأديب (بأن لا يكون الضرب مبرحاً) وأخيراً يجب أن تتوافر حسن النية (يقصد التأديب وليس الانتقام).

٢- حق تأديب الصغير: يجب أن يكون القائم بالتأديب له الحق في ذلك من مثل الأب أو المعلم، يجب أن يكون الطفل قد ارتكب أمراً يجعله مستأهلاً للعقاب ويجب كذا الالتزام بالحدود المادية للعقاب (أن يكون الضرب غير مبرح) والالتزام بالحدود المعنوية للعقاب (أن يكون الهدف منه التأديب وليس الانتقام).

٣- مباشرة الأعمال الطبية: رغم أن فعل الطبيب في أحيان كثيرة يمثل جريمة في الظاهر باعتداءه على جسد المريض، فقد تمت إباحة ذلك إن توافرت شروط معينة من مثل أن يكون الطبيب متخصص التخصص الدقيق الذي يحتاجه المريض، وأن يكون الاعتداء التام على جسد المريض بقصد العلاج، وأن يتم مراعاة الأصول الطبية في ذلك (التعقيم والمتابعة).

٤- ممارسة الألعاب الرياضية: يعترف القانون بالرياضة ويبيحها بالرغم من بعض الأضرار التي قد تصيب البعض من جراءها من مثل إصابة الملاكم لخصمه، ولكن لاستخدام الحق في ممارسة الألعاب الرياضية شروط من مثل أن تكون اللعبة معترف بها، وأن تكون الإصابة حادثة في النطاق المكاني المخصص للمبارة (الملعب) وأن يكون ذلك في النطاق الزماني المعين لها (وقت المباراة) وأن يتم الالتزام بقواعد اللعبة وأن تكون هناك حسن نية (أي أن تكون الإصابة الحادثة بالخصم عن غير عمد).

 

استعمال السلطة

تنص المادة ٦٣ع مصري على حق رجال السلطة العامة في استعمال سلطتهم، والعلة من النص على هذا الأمر أن يكون هناك جرأة في الحق عندما يتم تنفيذ القانون من قبل المسئولين عنه، ولتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

١- مشروعية الفعل: الفعل يكون مشروع إن كان تاماً بناء على نص القانون... وهو يكون كذلك إن كان الموظف مختص بالفعل، وأن يكون الفعل قد تم ارتكابه لسبب (من مثل أن يتم تقييد المتهم من الخلف إن تم التخوف منه)، ويكون الفعل المرتكب مشروع إن تم تنفيذاً لأمر رئيس تجب طاعته، كون القانون يلزم المرءوس بإطاعة أوامر الرئيس.

٢- عدم مشروعية الفعل: قد يرتكب الموظف العام فعلاً غير مشروع ومع ذلك يعتبر مباح لا عقاب عليه، ويكون ذلك ان قام الموظف العام بارتكاب هذا الفعل معتقداًَ أنه من اختصاصه مع أن الواقع غير ذلك، أو أنه ارتكبه تنفيذاً لأوامر رئيس اعتقد انه ملزوم بطاعته إن تمَّ ذلك منه بحسن نيه وبعد التثبت والتحري، فيكون مقبول أن يدفع الموظف بالاعتقاد الخاطئ إن قام بتفتيش الشخص الخطأ، ولكن لا يقبل منه ذلك في جريمة مثل التعذيب إمتثال لأوامر رئيسه.

 

الدفاع الشرعي

        الدفاع الشرعي هو حق قديم قدم الإنسان نفسه، ذلك أنه يعتبر من قبيل الحقوق الغرائزية، فالإنسان يكون مجبول على الدفاع عن نفسه حال تعرضه للخطر بغير انتظار الإذن بذلك من أحد، ويمكن تعريف الدفاع الشرعي أنه: استخدام القدر اللازم من القوة لصد خطر حال غير مشروع يهدد بالإيذاء حق يحميه القانون. الحكمة من الدفاع الشرعي: هناك عدة نظريات قيل بها لتبرير الدفاع الشرعي، من ذلك ما قيل حول إنعدام الركن المعنوي للجريمة، كون المعتدى عليه تكون إرادته معيبة نتيجة وقوع الخطر عليه الأمر الذي قد يجبره على ارتكاب ما لا يرغب فيه، وقيل في ذلك أن المعتدى عليه يكون فعله مباحاً كونه يؤدي دور الدولة، فالسلطة تكون غير موجودة حال وقوع الاعتداء على المعتدى عليه، فهو في هذه الحالة يقوم بدور السلطة بدفع الضرر عن نفسه، لذلك لا يكون للمعتدى عليه حق في الدفاع الشرعي متى أمكن الارتكان إلى رجال السلطة العامة. وقيل في ذلك أن اعتداء المعتدي على المعتدى عليه يعتبر اعتداء على القانون وإنكار له ونفي لما أقر، لذلك عندما يقوم المعتدى عليه بدفع هذا الاعتداء فإنه يكون نافياً للنفي ومن هنا يكون فعله مباحاً. وأخيراً قال البعض أن ما يفسر الحق في الدفاع الشرعي، أن المعتدى عليه إنما يدافع عن حقين هما حق المجتمع وحقه لذلك يعتبر فعله مباحاً. أما عن الطبيعة القانونية للدفاع الشرعي فقد اختلفت التشريعات المختلفة في تبريرها إياه، فالتشريع الروماني يراه حقاً طبيعياً للإنسان "فلا صوت للقانون في معترك السلاح" كما يقولون، أما القانون الكنسي فقد اعتبره عذراً مقبولاً وبذلك يكون الدفاع الشرعي في القانون الكنسي مانع من موانع العقاب وليس سبب من أسباب الإباحة، أما القانون الفرنسي والتشريع المصري فقد اعتبروا الدفاع الشرعي حقاً يبيح الفعل. وقد قال البعض أن الدفاع الشرعي يكون حق لمن يتم للمعتدى عليه، ويكون رخصة للشخص الذي يشاهد الاعتداء واقع على غيره، ويكون واجب متى الزمه القانون به كما هو الحال مع رجال السلطة العامة.

        هناك فارق بين الدفاع الشرعي وحالة الضرورة ويتلخص هذا الفارق في أن الدفاع الشرعي يكون الفعل المُحرك له غير مشروع وفي حالة الضرورة قد يكون الفعل المحرك لها غير مشروع أو غير ذلك من الأحداث الطبيعية التي لا دخل للإنسان بها، وهناك فرق آخر يكمن في أن الدفاع الشرعي يكون في مواجهة الأفعال الماسة بالنفس أو المال، أما حالة الضرورة تكون في مواجهة الأفعال الماسة بالنفس فقط، وأخيراً فالحق في الدفاع الشرعي ينشأ سواء كان الخطر جسيماً أو غير جسيم، ولكنه يجب أن يكون جسيماً في حالة الضرورة.

        يتكون فعل الدفاع الشرعي من شقين هما الخطر والضرر، ويتوافر في كل شق منهما شروط حتى يكون الدفاع الشرعي...

 

أولاً: الخطر

  1. الوجود: فيجب أن يكون الخطر موجوداً ومازال يهدد شخص المُعتدى عليه، فإن زال الخطر فلا يكون هناك مُسوغ لممارسة الحق في الدفاع الشرعي، فالخطر هو اعتداء محتمل وهو غير الضرر بوصفه أذى قد تحقق.
  2. عدم المشروعية: يجب أن يمثل الخطر الواقع على المعتدى عليه جريمة من الجرائم، أو بمعنى آخر أن يكون فيه اعتداء على حق يحميه القانون، ومن نتائج ذلك.
  • لا دفاع شرعي إن كان الفعل مشروعاً: فإن كان الفعل مباحاً لا يقوم حق الدفاع الشرعي من مثل تأديب الأب لإبنه أو استعمال السلطة العامة.
  • الدفاع الشرعي يكون قائماً وإن كان مصدر الخطر صغير أو مجنون: فالجنون وصغر السن من موانع العقاب، فالفعل المرتكب من صاحبهما غير مشروع ولكنه لا يعاقب عليه لصفة لحقت به هو شخصياً، لذلك يقوم الدفاع الشرعي لموجهة تلك الأفعال.
  • العذر القانوني لا يجعل الفعل مباحاً: فإن فاجأ الزوج زوجته وهي في حالة زنا فحاول قتلها هي ومن يزني بها فعاجلهُ الزاني بزوجته بالقتل فيعد فعله مباحاً لأن العذر القانوني الذي تمتع به الزوج كان من شأنه تخفيف العقوبة عليه فقط، وهو لا يصبغ الفعل بصبغة المشروعية بأي حال.
  • دفع خطر الحيوان: إن تعرض الإنسان لخطر مصدره حيوان معين، فله بالطبع أن يصد هذا الخطر، ولكنه يصده تعويلاً على حق الدفاع الشرعي إن كان مصدر اعتداء الحيوان على المعتدى عليه مصدره إنسان آخر، أما إن اعتداى الحيوان على المعتدى عليه من تلقاء نفسه، فيمكن تفسير ذلك بناء على حالة الضرورة.
  • الخطر الوهمي: المقصود به أن يُهيأ للمعتدى عليه بأن شخص ما سوف يقوم بالاعتداء عليه مُعتقداً بأنه يحمل سلاح فيقوم بممارسة الدفاع الشرعي ضده، فيتبين له بعد ذلك أنه كان يحمل زجاجة مياه. وقد اختلف الفقهاء في تبرير هذا الحق، فمنهم من قال أن الخطر الوهمي يبيج الدفاع الشرعي وهو الأمر الذي تبنته المحاكم المصريه، وقال آخرون أن ذلك لا يبيح الدفاع الشرعي ولكنه في نفس الوقت يمنع العقاب عن الشخص الذي ظن في خطورة الفعل لانتفاء القصد الجنائي لديه.
  1. الحال: يقصد بذلك أن الخطر يكون متوقع وقوعه الآن على المعتدى عليه وليس في وقت لاحق يُمكِّن المعتدى عليه من الالتجاء لرجال السلطة العامة ومن ذلك ضرورة أن يكون الخطر...
  • وشيك: أي أن المعتدى عليه رأى من الأسباب ما يدعوه للاعتقاد بحتمية وقوع الخطر الغير مشروع عليه في الوقت القليل القادم، وأنه إن لم يتخذ التدابير اللازمة لإيقاف هذا الخطر... فلن يكون هناك مجال لرده.
  • لم ينته بعد: فقد يبدأ الخطر في الوقوع على المعتدى عليه ومع ذلك لا ينتهي، وذلك كمثل من يصفع آخر صفعاً مستمراً فيما يسمى بالجرائم المتجددة، ففي هذه الحالة يمكن استخدام الدفاع الشرعي في أي وقت قبل انتهاء أفعال المعتدي بشكل كام.

 

ثانياً الدفاع

        نتناول الدفاع من خلال دراسة ثلاثة فروع خاصة به، فندرس لعناصر الدفاع وشروطه وقيوده وذلك على النحو التالي....

 

  1. عناصر الدفاع: يتكون فعل الدفاع من عنصرين، عنصر مادي وآخر معنوي، وقد يكون العنصر المادي إيجابياً في معظم الحالات ويكون سلبياً في بعضها، وذلك كأن يعتدي الجاني على المعتدى عليه فيقوم الكلب الخاص بالمعتدى عليه برد الاعتداء على الجاني فلا يقوم المُعتدى عليه بمنعه، وقد ثار تساؤل حول مشروعية أدوات الدفاع الوقائية المستخدمة لحراسة المنازل من مثل الأبواب المكهربة وأطراف الأسوار الحادة، فقيل بضرورة تأكد من يستخدم هذه الوسائل بعدم ضرها إلا بمن حاول الاعتداء عليه، أما العنصر المعنوي في فعل الدفع فيتمثل في معرفة صاحبه أن ما يقوم به هو فعل الدفاع الشرعي، ولكن حتى وإن جهل صاحب الحق في الدفاع ذلك كان فعله مباحاً حتى وإن كان مترصداً لمن يحاول الاعتداء عليه[1].
  2. شروط الدفاع: للدفاع شرطين...
  • اللزوم: أي أن يكون فعل الدفاع لازماً لرد الاعتداء الواقع، فإن أمكن رد الاعتداء بغيره من الطرق المشروعة فلا يكون فعل الدفاع مباح. ويجب كذا أن يكون فعل الدفاع موجه في الأساس إلى شخص المعتدي، فإن كان فعل الدفاع موجه إلى غيره فلا يعتبر فعل الدفاع مباحاً.
  • التناسب: شرط التناسب هو الذي يكون مطلوباً في فعل الدفاع وليس التماثل، وهي المسألة الموضوعية التي يَفصِل فيها قاضي الموضوع[2].

قيود الدفاع الشرعي: هناك قيدين على الدفاع الشرعي هما...

  • عدم جواز استخدام الدفاع الشرعي ضد رجال السلطة العامة: ذلك أن فعل رجال السلطة العامة يكون مشروعاً في أغلب الأحوال، ولكن قد يخرج مأمور الضبط القضائي عن حدود وظيفته بحسن نية[3] أو بسوء نية، وفي هذه الحالة لا يجوز مقاومته تعويلاً على حق الدفاع الشرعي إلا إن خيف من أفعاله موت أو جراح بالغه وكان لهذا الخوف سبب معقول.
  • القتل يظل مرهوناً بحالته: فليس من المفترض أن تصل نتائج فعل الدفاع الصادر عن الشخص المعتدى عليه إلى القتل في جميع الأحوال... ولكن يمكن أن يصل فعل الدفاع إلى نتيجة القتل في حالات معينة فقط وهي تلك المنصوص عليها في المواد 249، 250 من قانون العقوبات، وهي التي يمثل عنصر الخطر فيها جرائم معينة من مثل السرقة بالإكراه والقتل والاغتصاب والحريق العمدي.

إثبات الدفاع الشرعي: قد يتمسك المعتدى عليه بحقه في الدفاع الشرعي صراحة أوضمناً[4]، وقد لا يتمسك به فلا يذكره في حيثيات دفاعه عن نفسه، وفي هذه الحالة يجب أن ينظر القاضي في قيام حق الدفاع الشرعي بالنسبة لشخص المعتدى عليه أم لا، أما بالنسبة لتقدير هذا الحق فتكون من قبيل ظروف الواقع التي يقدرها قاضي الموضوع.

تجاوز حق الدفاع الشرعي: حتى يعتبر المعتدى عليه متجاوز لحق الدفاع الشرعي فيجب أن يكون حقه في الدفاع الشرعي قائماً له في الأساس، ويجب أن لا يتحقق التناسب بين فعل الدفاع والخطر الواقع عليه، ويجب أن يكون المعتدى عليه حسن النية في جميع الأحوال، ومع ذلك قد يكون فعل الدفاع المتجاوز الصادر عنه عمدياً فيؤاخذ عليه مؤاخذة كاملة أو غير عمدي فيؤاخذ مؤاخذة جزئية أو يكون ذلك وليد الاضطراب فلا يؤاخذ به باعتبار ما صدر منه كان نتيجة خلل أصاب إرادته. وأثر ذلك أن العقوبة تخفف على المعتدى عليه وجوبياً بغير إعفاءه من المسئولية تماماً بوصف ذلك عذراً قانونياً منصوص عليه في المادة 251 من قانون العقوبات.

 


[1] مثل ذلك أن يكون المعتدى عليه عالماً بالميعاد الذي سوف يقوم المعتدي بسرقة منزله فيه، فيتربص له في أحد الأركان ويمنع هذه السرقة، ولكن يظل ذلك مرهوناً بعدم مكنة الارتكان إلى رجال السلطة العامة.

[2] فيمكن مواجهة السلاح الأبيض بالسلاح الناري طالما استدعت ضرورة الحال ذلك، والقاضي هو الذي يقدر هذه المسألة، ومن ذلك ما انتهى إليه قضاء النقض بأن المتهم قد تجاوز في حق الدفاع الشرعي عندما قام المعتدي بمحاولة الاعتداء عليه ممسكاً بعصاة فعاجله المعتدى عليه بضربه بشومة كبيرة على رأسه وقد كان المعتدى عليه أقوى منه في البنية وكان جالساً وسط أقرانه.

[3] مثل قبض مأمور الضبط القضائي على شخص ظناً منه أنه الجاني مع أنه برئ، فلا يحق للشخص المقبوض عليه ممارسة الدفاع الشرعي ضد مأمور الضبط القضائي.

[4] يكون التمسك بحق الدفاع الشرعي ضمنياً عندما يدفع المعتدى عليه بأنه لم يقم من الأساس بالاعتداء على المعتدي، وأنه حتى لو ثبت ذلك فإنه كان يدافع عن نفسه.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا