فن القيادة

محاضرات في فن القيادة

مقدمة

        فن القيادة معرفة وموهبة... فصحيح أن البعض يكون لهم القدرة على القيادة أكثر من غيرهم بغير تعلم، لكن ليس معنى ذلك أن هناك أشخاص يولدون وهم قواد، فهناك الكثير من المهارات الواجب تعلمها ليصير الفرد أكثر حنكة في التعامل مع جنوده، خاصة وأن التعلم عن طريق التجربة والخطأ ليس مجاله العمل العسكري... إذ قد يترتب على ذلك العديد من النتائج الكارثية في كثير من الأحيان، ولا أدعي كمال الجوانب اللازمة لتكوين سجايا القيادة التي تتناولها هذه المجموعة من المحاضرات، فالخبرة العملية ضرورية لتحقيق ذلك ولثقل الكثير من تلك المهارات.

        سوف نتعلم من خلال هذه المحاضرات أن الشخصية الصلبة الصارمة إلى حد الجمود لا يتوافر فيها الصفات الواجب توافرها في القائد، فتغليب الجانب الإنساني لدى القائد هو ما يُحقق له القيادة على جنوده بمعناها الحقيقي، والمرونة في تنفيذ التعليمات بل والتغاضي عنها في بعض الأحيان قد يترتب عليها نتائج سحرية فيما خص ولاء المجندين لقائدهم.

        هذه المحاضرات تدور حول مجموعة الصفات الواجب توافرها في القائد وتوصيات من الواجب عليه إتباعها حتى تتحقق له القيادة الرشيدة لمرؤوسيه، وهي التوصيات التي يجب مراجعتها مرة بعد مرة للاحتياج الدائم لتذكرها حتى يستطيع القائد تقييم نفسه، وحتى يستطيع تقييم جنوده في ضوئها. وإن كانت هذه المحاضرات تمت صياغتها لإرشاد القائد العسكري عن الكيفية المثلى التي يتحقق له بها قيادة جنوده، فهي تصلح كذا على مقياس آخر لتكون دليلاً للرؤساء المدنيين حتى تتحقق لهم سجايا القيادة.

 

 

الصفات الواجب توافرها في القائد الناجح

أولاً: اللغة

فيجب على القائد الناجح اختيار اللغة السليمة التي يخاطب بها جنوده، وذلك يكون في ضوء التوجيهات التالية...

  1. الابتعاد عن اللغة المعقدة: واستخدام اللغة التي يسهل على المجند فهمها ومراعاة أن للمجند خلفيات ثقافية تختلف عن تلك الخاصة بالضباط وضباط الصفة.
  2. الابتعاد عن اللغة السوقة: الابتعاد عن اللغة المعقدة لا يعني بحال استخدام اللغة السوقية التي تقلل من شأن مستخدمها.
  3. استخدام اللغة المحايدة: فعند مخاطبة الجنود يجب استخدام الجمل القصيرة القاطعة الواضحة، ذلك كون الجمل الطويلة عادة تشتت المستمع إليها وتشوش ذهنه، والتردد في الأمر يخلق الشك في قدرة المأمور على تنفيذه وعدم الوضوح (الغموض) قد يخلق اللبس الذي يؤدي إلى تنفيذ الأمر تنفيذا خاطئاً.
  4. الابتعاد عن التهكم والسخرية والتورية: القائد الذي يستخدم السخرية باستمرار لتوجيه أوامره وتوجيه لومه عادة ما يكون غير مفهوم لمرؤوسيه، ويتم تقييمه بشكل سلبي.
  5. عدم تقريع مجند بشكل حاد أمام زملاءه: قد يقوم القائد بتوجيه اللوم لأحد المجندين ولكن يفضل دائماً أن يكون ذلك على غير مرأى أو مسمع من بقية زملاؤه، حيث أنهم يعتبرون أن ما يتم توجيهه لزميلهم من لوم موجه إليهم جميعاً.
  6. عدم توجيه ضابط الصف أمام الجنود: بشكل عام يجب عدم توجيه القيادة الثانوية أمام مرؤوسيه كون ذلك يكون محفزاً لهم لعدم إطاعته ويضعف من سيطرته عليهم ويخلق إحساساً بالحقد لدى المرؤوس على رئيسه الأعلى.
  7. البعد عن السباب: فالسباب فضلاً عن كونه مجرم في الحياة العسكرية فهو يؤدي إلى ...
  • الشعور بالحنق والمهانة: فلن يشعر المجند أبداً بخطاه عن طريق السباب، بل قدي يشعر بالحنق والمهانة... الأمر الذي يخلق غشاوة على عقله تحول دون فهمه لخطأه فهماً حقيقياً، ليظل تفكيره مُركزاً على ما لحقه من إهانة وعار.
  • كثرة الغياب في الوحدة: حيث أن الجندي عادة ما يشعر بالقهر ولا يجد لدفع القهر عنه سبيلاً إلا بالتغيب عن الوحدة.
  • العصيان الجماعي: قد يترتب على سباب أحد الجنود أمام زملاؤه أو سباب مجموعة من الجنود إلى خلق حالة من العصيان الجماعي التي يصعب التعامل معها بحال من الأحوال.

 

ثانياً: اللباقة

       يمكن تعريف اللباقة أنها قدرة القائد في التعامل مع جنوده بغير احتكاكهم به أو تجرأهم عليه، ويكون المقصود منها التعامل مع الجنود على نحو يحقق رضائهم عنه، وعادة ما يكون المرؤوسين هم الأقدر في التعامل مع رؤسائهم، فهم من يفكرون فيما قد يسخط الرئيس منهم وما يبهجه، أما الرئيس أو القائد ... فعادة ما لا يتحلى بمثل هذا الحرص لإرضاء مرؤوسيه، ومن مفردات اللباقة عدم توجيه الشكر لأحدى وحدات المعسكر بغير توجيهه للآخرين خاصة إن كان أولئك الآخرين قد بذلوا قصار جهدهم في إنجاز المطلوب.

ثالثاً: المبادئة

        يقصد بها تلك الملكة الإبداعية التي تدفع صاحبها لابتكار ما هو جديد لصالح العمل بغير تخوف من العواقب، فيوجد قول مأثور لدى الكثيرون مفاده "أشتغل كتير تغلط كتير تتجازى" أي أن الشخص عندما يكون محافظاً يميل إلى الدعة والتقليد فانه يكون بمنأى عن الجزاء والمسائلة والتعب، والمبادئة هي سمة من سمات القائد التي كون من الواجب توافرها فيه، فيجب أن يكون قادر على أن يسلك ما هو مهجور من الدروب عسى أن يصل إلى هدفه في وقت أسرع، أما إن مال إلى التقليد فلن يحقق تقدم يذكر.

        بل وأن قيمة المبادئة يجب أن يُعلمها القائد لجنوده، أسوة بما كان من رسول الله ص عندما اعتمد رأي الحباب بن المنذر في غزوة بدر ونزل في المنزلة التي أشار عليه بها، وعندما اعتمد رأي سلمان الفارسي في غزوة الخندق. فيجب على القائد دائماً أن يستشير جنوده في الأمر حتى يعلمهم حسن التفكير والتدبير وحتى ينتهي إلى الأصلح من الرأي.

رابعاً: القدرة على اتخاذ القرارات

        يجب أن يكون القائد قادراً على اتخاذ القرارات الخاصة بتسيير وحدته، ويجب أن تتسم هذه القرارات بالرشد والسرعة، والرشد في القرار يتأتى من العلم والخبرة، والسرعة في القرار تكون مطلوبة في مواطن كثيرة، لذلك يجب على القائد أن يدرب ذهنه على التوصل إلى القرارات الرشيدة في أسرع وقت ممكن، والقرار لكي يصدر إنما يمر بعدة مراحل...

  1. استيعاب المشكلة: وفهمها الفهم الجيد، ويكفل ذلك الاستماع الجيد لمن يقوم بالعرض.
  2. استعراض البدائل: فدائماً ما يكون هناك أكثر من طريقة لحل المشكلة، ويكون على القائد استعراض تلك الطرق في ذهنه ليتخير منها.
  3. اختيار البديل الأنسب: ويتأتى ذلك من خلال استبعاد البدائل الغير مناسبة ليتبقى بديل أو اثنان بحيث يتخير القائد منهم الأنسب.

        ولكي يستطيع القائد التوصل إلى القرار السليم يجب أن يأخذ رأي مرؤوسيه فيما خصَّ المشكلة، خاصة وإن كان هذا القائد من القيادات الوسطى قليلة الخبرة، فلا يبدأ الضابط الملازم على سبيل المثال بإملاء أوامره على رقيب السرية الذي يكون له باع في تسيير أمورها، بل يكون له من الأفضل دائماً مناقشته فيما يقوم به من أعمال وإصدار الأوامر بالاتفاق معه في ضوء من تلك المناقشة. وفي ذلك لا ننسى عمرو بن العاص ر الذي لقب بداهية العرب وقيل أنه كان لا يقضي في مسألة إلا بعد استشارة عدد كبير من الناس.

خامساً: دماثة الخلق

        قد يفسر الضباط ذوي الرتب الحديثة دماثة الخلق أنها ضعف، وفي الحقيقة لا يوجد علاقة بين دماثة الخلق وضعف الشخصية، بل وقد تتناسب دماثة الخلق طردياً مع قوة الشخصية، فعندما يصدر قائد السرية أمر لجنوده يجب أن يعلم أنهم سيقومون بتنفيذه انصياعاً للأوامر وتقديراً لسلطة القائد، فهنا لا يجب أن يكون إصدار الأمر بشكل جاف إذ لا معنى لذلك إن كان الأمر سوف يتم تنفيذه بأي حال، ولا نعني في هذا المقام أن يكون الأمر الصادر إلى الجنود خالياً من الحزم، وإنما نعني أن يصدر القائد أمره إلى جنوده وهو مبتسم ظاهر الود للمأمور.

        من دماثة الخلق كذا أن لا يأكل القائد إلا من بعد أن يتأكد أن جنوده كلهم قد تناولوا طعامهم، وقد كان أحد القواد يفضل دائماً أن يكون تناول الطعام بالأحدثية، بحيث يبقى القائد في نهاية الطابور الخاص بالميس ليتناول الأحدث طعامه أولاً ويتناول الأقدم طعامه آخراً.

سادساً: معرفة القائد بجنوده

        يجب أن يكون القائد على علم بأسماء الجنود بوحدته، فمن الأفضل دائماً أن ينادي القائد الجندي باسمه على أن يناديه بـ "أنت يا...." فهذا النوع من النداء إنما يشعر المجند بتفاهة دوره في المعسكر وعدم تقدير القائد له، بل ويمتد الأمر إلى أبعد من ذلك... فيجب على القائد أن يكون عالماً بالمعلومات الأخرى الخاصة بجنوده من مثل مسلكهم الانضباطي ومدى وجود جزاءات سابقة، وظروفهم الأسرية، ويمكن للقائد معرفة الكثير بغير عناء عن طريق فحص السجلات الخاصة بالمجندين.

        من الطرق الأخرى التي يتعرف بها القائد على جنوده سؤال رقيب السرية عن المجندين تباعاً لمعرفة أحوالهم الخارجية وظروفهم المدنية حتى يحدث التقارب بن القائد والجندي، ويمكنه معرفة الكثير أيضاً من خلال مراقبة سلوك الجندي. من المفيد كذا أن يكون القائد من الدارسين لعلم النفس... فقد يساعده ذلك في فهم الشخصية التي يتعامل معها حتى وإن كان ذلك بقدر محدود.

        عند هذا الحد وجب التنويه أن القائد في حالات غير قليلة قد يقف على ما لا يسره من المجند نتيجة تحريه عنه ومراقبة أحواله، وهنا لا يجب أن يكون القائد فكرة مسبقة عن المجند، ويجب أن يعذره دائماً أنه ربما أتى من بيئة مختلفة فرضت عليه بعض التصرفات، فضلاً عن أن معلومات القائد التي حصل عليها والتي يكون مصدرها رقيب السرية قد تكون مضللة محكومة بالنظرة الشخصية له.

سابعاً: الاستماع للشكوى

         من صفات القائد الجيد أنه مستمع جيد لشكاوى جنوده، وقد يتعلل البعض بالضيق من سماع شكوى الجنود التي تكون في الغالب الأعم تافهة الأمر الذي يؤدي لصم الآذان عن تلك الشكاوى ومعاملة مصدرها بشئ من الصلف، والتصرف السابق هو تصرف خاطئ، فيجب التعامل مع الشكاوى الخاصة بالجنود بالكثير من الحرص، حتى لا يفقد القائد شعبيته، ويجب العلم أن الشكاوى التافهة التي يتم تصديرها للقائد سوف تقل بمرور الوقت بحيث لا يصل إليه سوى الشكاوى الجادة بمرور الوقت، ويجب أن يستمع القائد لصاحب الشكوى الاستماع الجيد وذلك سواء كان صاحب الشكوى مخطئ أم محق، فإن كان مخطئ وجب السماع الجيد حتى يبين له القائد الجوانب التي أساء تقديرها وجعلته يعتقد أنه على حق، وإن كان مصيب فيجب أن يستمع القائد لشكواه جيداً حتى يستطيع رفع الظلم الواقع عليه، ومما لا شك فيه أن الاستماع الجيد من القائد لجنوده يعطي انطباع جيد عن القائد لدى الجنود ويعبرون عنه بالقول المأثور "دهب يسمع للعسكري".

        ومع ذلك يجب الحظر من أولئك الشكائين بغير داعٍ الناشرين للروح الهدامة في الوحدة، فأولئك يجب التعامل معهم بكل حزم حتى لا يتم لهم ما يريدون ويحدثون التخريب المعنوي للمنشآة العسكرية.

ثامناً: الضبط والربط

        القدرة على إيجاد حالة من الضبط والربط والالتزام في الوحدة لهي من أهم الصفات الواجب توافرها في القائد العسكري، ولكن يجب أن تكون حالة الضبط والربط كائنة بين الجنود عن رغبة وليست عن رهبة، ويتأتى ذلك من خلال اقتداء الجنود بقائدهم، فيجب أن يكون القائد هو أول من يلتزم بالقوانين الخاصة بالوحدة، وهو الأكثر التزاماً بالتعليمات المنظمة لها، فإن وجد جنوده منه ذلك فعادة ما سوف يجبلون على الضبط والربط عن رغبة وليس عن رهبة.

تاسعاً: القدرة على التدريب

        لن يستطيع القائد تدريب جنوده على نحو فعال إلا إن توافر له العلم ففاقد الشئ لا يعطيه، وعلى القائد الاهتمام بحماس الجنود أكثر من اهتمامه بإتقانهم لفنية الحركات، فالإتقان سوف يتأتى بالتكرار أما الحماس فلا أعذار لغيابه، ويمكن للقائد أن يستخدم وسائل تدريبية مختلفة حتى لا يصاب المجند بالملل وحتى يتحقق له الفهم الأعمق للموضوع محل الدراسة، فيمكنه استخدام شرائح العرض والبيانات العملية والخرائط الذهنية واللوحات التفسيرية وغيرها من الطرق. وبالطبع ينتقي القائد الوسيلة المناسبة للمستوى الثقافي الذي يقوم بالتعامل معه.

عاشراً: الاهتمام بالروح المعنوية للجنود

        الروح المعنوية تنتقل من القائد إلى القوات، فإن كانت الروح المعنوية للقائد منخفضة تنخفض الروح المعنوية للجنود والعكس صحيح. ومع ذلك قد تنخفض الروح المعنوية لأسباب قد لا يكون للقائد دخل بها من مثل تأخر الأجازات الدورية للمجندين أو بسبب تكثيف الجرعة التدريبية أو لحدوث أمر طارئ في المعسكر، ويمكن للقائد أن يتعرف على الروح المعنوية المنخفضة لجنوده من خلال تتبع ردود أفعالهم بالنسبة للقرارات المختلفة التي يتخذها، فإن  تلاحظ وجود تردد في نبرة الصوت وردود أفعال بطيئة وخلق سيئ من المجندين فهي علامات على وجود الروح المعنوية المنخفضة لدى الجنود، وعادة ما تكون أخر أثار الروح المعنوية السيئة للجنود هي الإهمال في الواجبات، لكنها تكون نتيجة منطقية وطبيعية إن ظل إهمال الروح المعنوية المنخفضة للجنود موجوداً.

حادي عشر: تنمية روح الاعتزاز بالوحدة

        قد يخلط البعض بين روح الاعتزاز بالوحدة والروح المعنوية، وهما يختلفان عن بعضهما البعض وإن كان بينهما تداخل، فروح الاعتزاز بالوحدة هي جزء من الروح المعنوية العالية التي تكون لدى المجندين، ويقصد بروح الاعتزاز بالوحدة أن يفخر من ينتمي إليها بها وهو الأمر الذي يتحقق بسهولة للوحدات العسكرية العريقة من مثل وحدات SWAT الشرطية الأمريكية ووحدات SEAL وMARINES فهذه الوحدات حققت نجاحات كثيرة جعلتها أهلاُ أن تكون مفخرة لكل من ينتمي إليها وهو الحال كذا مع وحدات 777 المصرية، أما الوحدات العسكرية الحديثة نسبياً ... فعادة ما يتم بذل الكثير من الجهد لتحقيق تلك الروح فيها وذلك كون عن طريق نشر أخبار النجاحات التي حققتها تلك الوحدة مقترنة بأسماء الجنود المنفذين لتلك العمليات الناجحة في الجرائد ووسائل الإعلام المختلفة، وكذا نشر تلك الأخبار بين الوحدات الصديقة حتى يعلوا سيط الوحدة، ويتحقق ذلك بالاهتمام بالتفاصيل العسكرية داخل الوحدة من مثل التحية العسكرية والنشاط الزائد والأداء الجيد لما هو منوط بالأفراد من واجبات.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا