ياقوت الحموي

        تم أسر والد ياقوت الحموي بواسطة الروم، ولم يستطع الحمدانيون فداءه كما قاموا بفداء غيره من الأسرى فبقى أسيراً في أرض الروم، ولما طال به الأمد هناك تزوج من فتاة رومية فقيرة وأنجب ياقوت عام 1178م، ثم انتقل بعد وفاة والديه إلى ولاية عسكر البغدادي والذي عامله معاملة أبناءه من بعد ما لاقاه في احد أسفاره، وقد كان عسكر يعمل بالتجارة وكان كثير السفر، وكان عسكر تاجر عادي لا يستطيع القراءة والكتابة، ومع ذلك تعلم ياقوت الحموي القراءة والكتابة وحفظ القرآن في المسجد الزيدي في حماة، وبعدها اشتغل في التجارة مع مولاه عسكر البغدادي، ولما بلغ به السن 21 عام، طلب من مولاه إما يقاسمه في التجاره أو يحرره، فرفض عسكر عرض ياقوت وأمره أن يسلم ما تحت يده من مال وتجاره ويرحل عنه، وبالفعل نفذ ياقوت ذلك واشتغل بالقراءة والعلم بغير أن يعود إليه عائد مادي يذكر، وبعد 7 سنوات رجع إليه عسكر مرة أخرى وكان قد طعن في السن، فطلب من ياقوت أن يتاجر له في أمواله على أن يأخذ ياقوت  عشر الربح ويترك التسعة أعشار إلى عسكر، فوافق على ذلك ياقوت حتى واتت عسكر البغدادي المنية وانتقل إرثه إلى أولاده، فانتظر ياقوت الحموي أن يوكلوه فيها كما كان يفعل والدهم لكنهم لم يعرضوا عليه هذا العرض، فرحل ياقوت بعد أن سلم ما تحت يده من أموال وتجاره ليشتغل في العلم مرة أخرى ليسافر إلى الكثير من البلدان ليعرف عادات أهلها وتاريخها، ومع ذلك فقد عاش الحموي في هذه الفترة من حياته حياة الفقر.

      استعان الناصر لدين الله بالخوارزميون ليقاتلوا السلاجقة الاتراك حتى يستقر له الأمر، فلما كان له ذلك سيطر الخوارزميون على مفاصل الدولة وهمشوا من دور السلطان، الأمر الذي دفع الناصر لدين الله أن يرتكب خطأ قاتل وأن يستعين المغول والتتار على محاربة السلاجقة الأمر الذي جعلهم يغزون الكثير من بلاد المسلمين مع وقوع البعض الآخر من البلاد في قبضة الصليبيين، الأمر الذي دفع الحموي إلى الهروب بما استطاع أن يهرب به من كتبه، وفي محنة الحموي تلك قام بالكتابة إلى الوزير القفطي، وقد كان وزيراً عالماً يشكو له من حاله ويطلب منه أن يساعده باسم رحم العلم، فقبل الوزير منه ذلك وأرسل له من يأتيه به وأرسل له دابة يركب عليها ويحمل عليها كتبه حتى يلقاه، وبالفعل  استقبله الوزير القفطي وتحدث معه وباتا صديقين، وفي هذه الأثناء استطاع الحموي استكمال كتابه معجم البلدان وعرضه على الوزير القفطي الذي لاقاه باستحسان، وكان الكتاب يتناول أوصاف جغرافية للمدن التي مر بها الحموي مع ذكر لأهم الأمثال التي يتم تناولها فيها وذكر عن تاريخها.

        استمر الحموي في العلم والمدارسة والسفر حتى كان في خان خارج حلب وكان عمره تعدى الخمسين بقليل، ولما شعر بدنو أجله في هذه الأثناء طلب من صديقه ابن الأثير أن يأخذ كتبه إلى بغداد ويتبرع بها إلى المسجد الزيدي الذي تعلم فيه الحموي القرآن والقراءة والكتابة، عرفاناً منه بالجميل. وقد تمت دراسة كتب الحموي من قبل الكثير من المستشرقين رغبة منهم في معرفة بلاد العرب والإسلام.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا