معاوية بن أبي سفيان

أسم الكتاب: معاوية الرجل الذي أنشأ دولة

أسم الكاتب: إبراهيم الإبياري

دار النشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر

رقم الطبعة: بدون

تاريخ النشر: 1962

 

        توزعت السلطة في مكة بين خمسة نشاطات تدور كلها حول الخدمات الدينية المقدمة إلى الحجيج، وهي الحجابة فيكون لصاحبها مفتاح الكعبة يفتحها لمن يشاء ويحجبها عن من يشاء، والسقاية وتعني السماح للحجيج بالاستسقاء من ماء مكة أو منعهم من ذلك، والرفادة وتعني إطعام الحجيج أو منعهم، والندوة وتعني دار القضاء، واللواء ولصاحبها إعلان الحرب على غيره من القبائل.

 

        جاءت خزاعة من خارج مكة وحاربت أهلها حتى استأثرت بالسلطات الدينية الخمس لمكة حتى جاء كلاب بن مرة واستطاع محاربة خزاعة وإخراج الأمر كله من أيديهم وطردهم خارج مكة ليغنم هو السلطات الخمس مرة أخرى ويورثها إلى أولاده عبد مناف وغيره، ويورث عبد مناف السلطات الثلاث "السقاية، الرفادة، الحجابة" إلى ولد واحد من أولاده وهو هاشم، ويترك الأخوة الآخرون بغير شئ منها، وإن كان لأخوة هاشم أن لا يحقدوا عليه بسبب تقدمه عليهم في السن فإن هذا لا ينطبق على عبد شمس الذي كان في نفس عمر هاشم فحقد عليه لذلك السبب وتوارثت ذريتهم من بعدهم ذلك الحقد، خاصة من جانب عبد شمس، فكان من أبرز أبناء عبد شمس حرب، ومن أبرز أبناء هاشم عبد المطلب  ومع أنهما تصادقا في فترة من الفترات لكن ما مضى كثير من الوقت حتى استعرت نار العداوة بينهما بسبب دم هدر. وتلا عبد المطلب محمد ص، وتلا حرب أبا سفيان، لذلك لم يصدق أبا سفيان الدعوة التي أرسل بها محمد أو بالأحرى لم يرد تصديقها ذلك أن بتصديقه إياها سوف يفقد الزعامة التي جاهد لنزعها من يد الهاشميين.

 

         عندما أعز الله محمد والفرع الهاشمي كله بالإسلام والنبوة بقت نوازع الحقد كامنة في الجيل التالي بين العبشميين وتمثل ذلك في العداء الكامن بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، وجميع ما تم ذكره سابقاً هو الأساس المبدئي الذي يجب أن يتم تفسير الصراع الأموي القرشي بعد مقتل عثمان  عليه.

 

حتى يتثنى لنا الوقوف على جوانب شخصية معاوية وجب علينا تدارس شخصية أبويه.

 

  1. أبو سفيان بن حرب: هو سيد من أسياد قريش، حاول بناء المجد لأسلافه العبشمسيين، وكان تاجراً خبيراً بالناس يفهمهم بمجرد النظر إليهم والتحدث معهم ولو لبرهة يسيرة، وقد ورث عنه معاوية هذه الصفة فعلم كيف يشتري الرجال وكيف يفهم ويعرف ما يستطيعونه وما يريدونه. وعندما بعث محمد ص لم يرد أبا سفيان أن يصدقه أو أن يتعمق في فهم دعوته، لكنه رفض الأمر كله من البداية خوفاً على ضياع السلطة من بين يديه، وحتى عندما أسلم أبا سفيان فلم يصدق محمد تمام التصديق وكان يصارح بذلك النبي الكريم فيقول له أن في شأن كونه رسول من عند الله لازال في قلبه شك منه. بل حتى بعد وفاة الرسول ص قال "تلقفوها آل أمية تلقف الكرة، فلا يوجد جنة ولا نار"
  2. هند بنت عتبة: هي أم معاوية وأباها هو عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد وأولئك جميعاً تم قتلهم في غزوة بدر، وهي كانت شديدة الإيمان بالوثنية لا تقبل عنها بديلاً لذلك كانت ناقمة على محمد ص، وينفي الكاتب أنها أكلت كبد حمزة أو حتى لاكته لأن سيرتها وأخلاقها تنفي عنها تلك الفعلة، فمن نسبوا لها هذا الفعل نسبوا إليها أيضاً أنها لبست سوار من أنوف وآذان المسلمين المجدوعة في غزوة أحد وهو فعل لم يكن ليصدر عن مثلها. وكانت هي إحدى الست الذي أوصى الرسول ص بقتلهم حتى وإن تعلقوا بأستار الكعبة، ومع ذلك فقد أسلمت. كانت هند حصيفة الرأي ينزل أبا سفيان ومعاوية إلى رأيها ليس عن ضعف ولكن عن قناعة بقوة وحصافة رأيها. وقد بشرها أحد المنجمين أنها ستلد سيد على قومه فصدقت هي ذلك وعملت عليه حتى ولدت وأنشأت معاوية

        أما عن معاوية نفسه فقد كان مجهول الحال حتى موت أبويه، ولعل ذلك كان راجعاً إلى قوة حضور أبويه وطغيان شخصياتهما عليه، فيروى أن عمرو بن العاص لطم معاوية أمام عمر، فأراد الفاروق لمعاوية أن يقتص لنفسه من عمراً فرفض الأول ذلك قائلاً أنه عهد إلى أبيه أن لا يقطع أمراً إلا بمشورته، فأرسل الفاروق إلى أبا سفيان حتى يستشيره ابنه في الأمر، فعفا الأخير في النهاية، وهو الأمر الدال على قوة حضور أبا سفيان في حياة معاوية.

         عندما ولي معاوية في زمن الفاروق طلب منه تسيير الجيوش لفتوحات جديدة، لكن الفاروق رفض ذلك وقبله منه من بعده عثمان فبزغ نجم معوية حينها من بعد ما انتصرت جيوشه في الفتوحات الجديدة.

 

        عندما ولي عثمان استعمل أقاربه على الأمصار، وأغدق عليهم من الأموال وارتكب العديد من الأخطاء السياسة التي هيأت لقيام ثورة ضده، فشعر معاوية بتحركات تلك الفتنة أو الثورة فرجع إلى المدينة ليقف جانب عثمان الأموي، لكنه ترك المدينة بعد قليل من الوقت عن طلب عثمان رغبة منه في عدم إراقة دم مسلم بسببه، ومع ذلك ترك معاوية الأمر على طلب عثمان مع علمه بما سيكون ضده من انقلاب وترجيحه أن يموت عثمان على يد البغاة، وما كان ذلك منه من إهمال للأمر إلا لرغبته في الحكم بناء على هذا الدم، لذلك عندما هم معاوية بترك المدينة أوصى القوم بعثمان ليثبت الولاية لنفسه في دم عثمان إن مسه مكروه.

 

        حاول عثمان إصلاح ما بينه وبين القوم، وذلك بالاجتماع معهم وعمل ما يرضيهم، وبالفعل تراضى القوم ورجعوا إلى أمصارهم مرة أخرى، لكنهم عادوا إلى عثمان بعد قليل يدعون أنه بعث بخطاب إلى عماله في الأمصار يحكم فيه بقتل رؤوس الثورة، والحقيقة أن عثمان لم يرسل شئ إلى عمال الأمصار ولكنهم بطانة السوء الذين ولاهم من أرادوا ذلك. وبهذا الأمر كتب للثورة ضد عثمان أن تستمر وتتم بقتله في النهاية كما توقع معاوية.

 

        بذلك أجج الصراع مرة أخرى بين معاوية الأموي وعلي الهاشمي، فعلي هو الخليفة ومعاوية هو المُطالب بدم عثمان وتحت يده الغير قليل من الرجال والأموال، وقد نصح بن عباس علي أن يترك الأمر كله حتى تنتهي فتنة دم عثمان ثم يظهر هو على الأمر في النهاية، لكن علي أبى بذلك وكان كرم الله وجهه ممثل الدين في الصراع في حين ما كان معاوية يمثل جانب الدنيا بكل ما تحمله من مباهج، وبالطبع فإن الحياة الدنيا أقرب لقلوب الناس من دينهم، لذلك نجح معاوية وكان ينجح في كل خطوة يخطوها ومع كل دقيقة تمر من الصراع، وكان علي يفشل ويخسر المزيد والمزيد.

 

        فخسر علي عندما عزل واليه على مصر والذي كان مخلصاً له بسبب الوقيعة التي أحدثها بينهما معاوية، وخسر في موقعة الجمل عندما فقد الكثير من مقاتليه، وخسر عندما مكر معاوية وعمرو بن العاص عندما رفعوا المصاحف على أسنة الرماح.

 

        وبذلك كتب للصراع أن يستمر حتى اتفق ثلاثة على قتل رؤوس الفتنة فيما يروا، فاتفق مُلجم على قتل علي وهو ما نجح فيه وفشل عمرو في قتل عمرو بن العاص عندما خرج رجلاً أخر بدلاً منه في هذا اليوم، وفشل في ذلك قاتل معاوية الذي أصابه في إليته فقط، ومن يومها ومعاوية لا يصلي ولا يركع إلا في صحبة الحرس اللازم وكان به عرجه.

 

        عندما مات علي وخلفه الحسين والحسن فإنهم تنازلوا عن الأمر لمعاوية على شروط وافق عليها عاوية بادئ الأمر ثم أهدرها من بعد، وفي أواخر سنوات حكم معاوية أراد أن ينقل الحكم إلى ابنه يزيد، فأخذ يحتال لذلك ويأخذ البيعة من كبار الصحابة وذلك باستخدام طريقته المعهودة والتي يعد فيها الناس بالمُلك وخيرات الدنيا جزاء موافقتهم إياه فوافقه على هواه الغالبية ورفضه قلة منهم الحسن والحسين ومع ذلك أخذ بيعتهم بالسيف أمام الناس.

 

 

  •  

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا