أطفالنا وكيف نسوسهم

أسم الكتاب: أطفالنا وكيف نسوسهم

الكاتب: يعقوب فام

دار النشر: الهلال

تاريخ النشر: 1981

رقم الطبعة: بدون

 

        متى هي أخر مرة فكرت فيها في أطفال الشوارع، وهل حاولت أبداً أن تفكر في وضعهم وكيفية مساعدتهم، بالطبع لا أحد يفعل ذلك في مثل هذه الأيام الصعبة التي باتت مهمة الفرد فيها أن يكفل نفسه وأسرته مستحيلة، ومع ذلك فقد فكر وحاول يعقوب فام منذ بضعة عقود أن يكون أكثر إيجابية وأن يفكر في غيره ويساعد أطفال الشوارع ملتمساً سعادته الشخصية في ذلك، فكما قال أفلاطون: مساعدة الناس والمجتمع باب من الأبواب التي تحقق السعادة للإنسان.

 

        بدأ الأخ يعقوب عمله مع أطفال الشوارع والذين أسماهم أطفال الشعب بمعاناة كبيرة حقاً، حيث تم استقباله هو وفريقه من قبل الأطفال بجانب كبير من الشك وسوء الظن فتارة اعتبروه من المبشرين وتارة أخرى أنه من رجال الشرطة وقد جاء ليعرف أماكنهم وأسمائهم.

        الطفل لابد له أن يلعب ولكن هذا اللعب يجب أن يقنن وأن يكون مثمر كلما كان ذلك في الإمكان أما اللعب الآخر والذي يكون بلا ضوابط أو قواعد فإنه يكون ذا أثر هدام، ومثال ذلك رجم الزجاج  والسرقات البسيطة التي يقوم بها من بائع فاكهة أو غيره ليظهر بمظهر المغامر الفارس وسط أصحابه، فيضحكون بما فعلوا وبتفننهم في الهرب وتضليل البوليس وأصحاب الشأن، لذلك كانت مسألة توفير اللعب الآمن المثمر لأطفال الشوارع من الأولويات التي اهتم بها يعقوب فام في مشروعه، فجعلهم يلعبون الكرة في نادي كبري الليمون الذي أنشأه لهم، وقد كان الأطفال في البداية يستأثرون بالكرة ولا يريد كل نفر منهم أن يمرر الكرة إلى زميله ولكن بمضي الوقت بات ذلك ممكناً وتعاون الأطفال في اللعب مع بعضهم البعض.

        هناك العديد من الصفات التي رصدها "فام" في أطفال الشعب ومن ذلك....

  1. القذارة ويعلق على ذلك قائلاً "فلم نكن نخشى منهم شيئاً قدر ما نخشاها ونخاف منها وبخاصة في مواسم الأمراض، وقد بذلنا جهداً كبيراً في كبت هذا الشعور الذي كان يتملك نفوسنا ويعمل دائماً وبشده على قطع صلاتنا بهم ومباعدة ما بيننا وبينهم، ومن شدة ارهاف الحس عندنا كان الكاتب يهرش جسمه باستمرار لشعوره المستديم بحركات تشبه حركات الحشرات كالقمل والبراغيث والبق وما إليها".
  2. الفقر: وهو داء يلازم طبقات أطفال الشعب الفقيره ويدفعهم إلى ارتكاب المخاطرات الكبيرة للحصول على المليمات القليلة (ويدفعهم إلى عالم الجريمة في كثير من الأحيان).
  3. عدم القدرة على المثابرة على الأعمال: فيجب أن يكون العمل الذي يمارسه الطفل المصري له فوائده المعجلة، فيمكن أن تقترح على جماعة منهم عمل معين فتجد الإقبال عليه شديداً والحماس له ظاهراً بحيث يخيل إليك أن هذا المشروع لاقى هوى دفيناً في نفوس الأفراد كلهم، وما يلبثون قليلاً حتى تتلاشى فيهم الرغبة بنفس السرعة التي نبتت بها، لا لشئ إلا لأنهم لن يرون ثمرة عملهم في الحال، وللأسف فهذا أغلب حال الناس في مجتمعنا فهم لا يصبرون على العمل ولا يرون ثمرته الآجله بعين اليقين، وأية أمة يهرب أفرادها من العمل وينظرون إليه على أنه شر لابد منه ويحاولون التخلص منه بجميع الوسائل لا يمكن لها أن تصنع مستقبلاً حقيقياً.
  4. الأنانية: فكل واحد من أطفال الشعب يحب نفسه ويؤثرها على غيره، ووإيثار النفس أمر مشروع في عرفنا لكن يجب أن يعمل الطفل حساب للجماعة التي يعيشون فيها، وعندما تتعاررض مصلحة الطفل منهم مع مصلحة الجماعة ويريد أن يشبع مصلحته الشخصية يجب أن يشعر الطفل في قرارة نفسه بالتألم من هذا العمل وأن يخفف الضرر الذي يعود على الجماعة بكل ما وسعته الحيلة.
  5. سرعة الانفعال: فالرزانة وضبط النفس واستقبال الأمور بالبرود أو بعض البرود ومداراة هذه الانفاعلاات بحيث لا تظهر أثارها على وجههم أمر شديد الصعوبة عليهم.
  6. الكرامة الممتهنة: فعلى الدوام تكون كرامة أطفال الشعب محل للانتهاك من كل مار في الشارع أو من جراء بأسهم على بعضهم البعض، ولذلك أخذ الكاتب على عاتقه مهمة تقدير خصلة الكرامة وإعلاء شأنها في نفس الأطفال فيقول: لا نبغي المغالاة في تقدير هذه الخصلة المهمة ولا نزعم أنها كل شئ في الأخلاق وأنها العلاج الشافي لكل الأخطاء الأخلاقية وإنما نظن أنها عنصر مهم في الأخلاق ودافع قوي يتحكم في السلوك والتصرف.
  7. القسوة والغلظة: خاصة فيما يتصل بالحيوان الضعيف.
  8. الوشاية: فلدى السواد الأعظم منهم الميل للوشاية بزملائه بغير أي وازع من ضميره.

 

        بعد أن درس يعقوب فام حال الأطفال على النحو السابق وعرف خصالهم حاول تنظيمهم ودمجهم في مجموعة من الألعاب النظيفة وحاول إعادة تأهيلهم عن طريق عقد حلقات لهم يعبرون فيها عن رأيهم وعين لهم فيها رئيس جلسة بحيث تأخذ الآراء في هذه الجلسة بطريقة الأغلبية المطلقة، وقام الكاتب كذا بتشجيعهم على اللعب الأخلاقي النظيف وعلى النظافة الشخصية وغيرها من الخصال الحميدة.

        وكان من جميل ظهور النتائج الطيبة ما ذكره يعقوب فام وأنه التقى بأحد ضباط البوليس في حي هذا النادي (كوبري الليمون) فسأله رأيه في أهل الحي رجاله ونسائه وأطفاله فقال الضابط " الواقع أني عملت في كل حي من أحياء القاهرة، واتصلت بحكم عملي في البوليس بأهل جميع الأحياء، فلم أر رجالاً أشر من رجال الحي، ومع ذلك فأطفاله خير من جميع أطفال الأحياء التي عملت فيها.

        بعد أن نجحت تجربة كوبري الليمون وأطفال الشعب طفقت الجرائد والدوريات تكتب عن يعقوب فام وعنها لكنهم تناولوا الأطفال بوصف غير لائق فأطلقوا عليهم "أطفال الشوارع" وهو الأسم الذي رفضوه وثاروا على الكاتب بسببه، ومع ذلك فقد التقوا به في نادي كوبري الليمون وكان اعتراضهم بشكل حضاري عبر فيه الجميع عن وجهات نظرهم وسمعهم الكاتب، ثم رد عليهم أنه لا يملك السيطرة على ما تكتبه الصحافة وأنها حرة في كل بلدان العالم تكتب ما تشاء ولا يسعنا إلا أن نرد عليهم بما نريد فمواجهة الكلمة تكون بالكلمة.

        ويذكر يعقوب فام نقطة هامة مفادها أن الأدب المصري لا يهتم بالأطفال ولا يتناول لحياتهم اللهم إلا ما كتبه طه حسين عن نفسه في رائعته الأيام، فهي قصة واحدة تحكي عن طفل مصري واحد قد يتشابه معه غيره من الأطفال وقد يختلفون عنه، والأدب العالمي ذاخر بأداب حياة الطفولة من مثل ديفيد كوبر فيلد وأوليفر تويست وغيرهم.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا