الدرس

        أخذ المهندس/ إبراهيم يسرع الخطى نحو المسجد، محاولاً تحاشي برك المياه المكونة بواسطة الأمطار وقد ابتل بعض حذائه منها وقد تصاعد من تلك البرك رائحة عطنة خفيفة، أخذ إبراهيم يرتجف من البرد وقد تكونت على بنطاله بعض البقع الطينية كما هي العادة في ذلك الفصل من العام، ولم يأبه هو لذلك فقلما ما كان يأبه لمظهره، حتى جسده المُمتلئ وقامته القصيرة تقبلهم إبراهيم بغير كثير من التبرم.

 

        أسرع إبراهيم الخُطى محاولاً التغلب على إحساسه بالبرد بواسطة حركته الزائدة وهو يقفز ويناور مُتحدياً البرك الصغيرة المتكونة، غير عابئ بالحمم الطينية المنطلقة منها لتلتصق ببنطاله إلى أن وصل إلى باب المسجد والمصلين ركوع.

 

        أكمل إبراهيم الصلاة مع الإمام ثم زاد عليها ما فاته من ركعات وجلس ليستمع من باب الفضول إلى الدرس الذي يلقيه الإمام من بعد الصلاة وقد دفعه الفضول إلى ذلك.

        فقد قاطع إبراهيم الاستماع إلى خطب أئمة المساجد من زمن، فكلما جلس وتقدم ليسمع أحدهم يخطب.... وجده يتناول قشور الدين بغير أن ينفذ لجوهره. ومع ذلك جلس هذه المرة ليستمع فلديه اليوم بعض الوقت الذي يسمح له بذلك ، فزملاء المصنع لايزالون عاكفون على إنهاء ما تنبقى من أعمالهم استعداداً للرحيل، وقد زاد من عزمه على الاستماع للخطبة حالة مراجعة النفس التي يَمُر بها، فطالما كان يتحاشى حضور خطب الجمعة كونها مملة ومليئة بالمغالطات، جلس إبراهيم هذه المرة مُمنياً نفسه أن يسمع شيئاً يلمسه من الداخل ويغير فيه ما هو راكد طوال السنوات الماضية.

 

        بدأ الإمام خطبته بسؤال وجهه إلى المصلين مُتفحصاً وجههم:

  • لماذا خلق الله الإنسان؟؟َ!!

نظر الإمام إلى أعين من أمامه فرأى الإعياء والفقر والجهل داخلها فاطمأن أن أحداً لن يجادله ولن يراجعه فيما يقول. فأولئلك المُتناثرين أمامه من نفس الخامة التي طالما أجاد التعامل معها في خطبه.

 

لم يحاول أحد الجلوس الإجابة عن سؤال الإمام فتأكد من حدسه وأجاب هو...

 

  • خلق الله الإنسان ليُعبد وهو الأمر الثابت بكلام الله ذاته عندما قال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. فالله لا يريد من الإنسان إلا العبادة، فالله لا يريد من البشر رزق ... فالله هو الرزاق ذو القوة المتين فليس من وظائف الإنسان المُقاتلة من أجل الرزق.

 

وهنا قام الإمام برفع صوته على نحو مبالغ فيه وأكمل على غضب لم يجد إبراهيم له مبرر:

 

  • " أجري يا بن آدم جري الوحوش غير رزقك لن تحوش " وظيفة الإنسان يا إخواني في الله هي العبادة ثم العبادة، فالله تعالى هو القائل: ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون.

 

        عندئذٍ اتسعت عينا إبراهيم اندهاشاً من تفسير الإمام للآية، ففي تفسيرة لها مغالطة واضحة، فقد أهدر أي قيمة للعمل وفصله عن العبادة مع أن العمل هو جوهر العبادة. وقد أخطأ الخطيب كا في تفسير قوله تعالى: ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، فالله يقول أنه لا يريد رزق من البشر سبحانه وهو الغني الحميد، لكنه لا يعفوا البشر عن العمل والسعي نحو الرزق.

 

      شرع الإمام يكمل وقد ارتفع صوته على نحو مزعج...

  • إذن يا أخي في الله فجل ما أنت مُطالب به في هذه الدنيا أن تعبد الله حق عبادته وتخافه وكأنك تراه وتلازم القرآن وتنتهي عن ما نهى الله عنه وزجر، وسوف يرزقك الله من حيث لا تحتسب.

 

        بعد انتهاء الخطبة القصيرة قام محمد بسيوني منتشياً مخاطباً نفسه "أنا صح" فأنا الناجي الوحيد من كل أولئك، فأنا العابد لله قارئ القرآن الدائب على المساجد، ولا ضير أني لا أملك الكثير فأنا قانع بما آتاني الله زاهداً عما في يد الناس، وما بالي أنا بالطرق التي تحصل بها أولئك على سياراتهم وأموالهم وزوجاتهم الحسنوات المتبرجات.

 

        كان بسيوني يفكر في ذلك جميعه في طريقه إلى محطة الترام حيث يبيع العطور وكتب الدعاء إلى المصلين قانعاً برزقه الحلال وما يتركه له المصلين من بقشيش عن طيب خاطر وسماحة نفس.

 

        في الوقت ذاته جلس إبراهيم في الحافلة في طريقه إلى المنزل يائساً أن يلتزم الالتزام الكامل بالصلاة في المساجد وأن يحضر خطب الجمع ودروس الأئمة، فطالما كان يشعر بالغربة والملل وسط كل هذه الأفكار العليلة والأفهام المنحرفة.

 

        أخذ إبراهيم يفكر ويسائل نفسه: هل سيسامحه الله على شذوذه الفكري؟؟!!!!

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا