شجرة الدر

أسم الرواية: شجرة الدر

أسم المؤلف: محمد سعيد العريان

الناشر: دار المعارف بمصر

تاريخ النشر: 1958

 

        لم يعرف لشجرة الدر أماً ولا أباً، فأول ما وعت لنفسها كانت جارية في دار من الدور الخوارزمية، وعندما هاجم التتار ديار الخزارزميين هربت شجرة الدر وتم أسرها في بيت أخر وهو الخاص بالأمير بدر الدين لؤلؤ، وعندما تحارب بدر الدين لؤلؤ مع نجم الدين أيوب، وانتصر نجم الدين أيوب على الأمير بدر الدين لؤلؤ وهربت شجرة الدر من دار الأخير ليعثر عليها جنود نجم الدين أيوب.

        عندما رأى نجم الدين أيوب شجرة الدر كانت جارية صغيرة السن جميلة المحيا رشيقة الجسد فاعجب بها واصطفاها من دون حظاياه، وتزوجها بغير أن تمر فترة طويلة على لقائهما لتنجب له أبنه الخليل. كان الأمير نجم الدين أيوب هو ابن الملك الكامل ملك مصر، ورغم أن نجم الدين أيوب كان أكبر أبناء الملك الكامل لكنه لم يعهد إليه بعرش مصر وفضل عليه أخاه سيف الدين، الأمر الذي أوغر في صدر نجم الدين أيوب، وأراد أن يستعيد ما يراه حقاً أصيلاً له.

        بعد موت الملك الكامل تولى أمر مصر ابنه سيف الدين ولقب نفسه بالكامل، وقام بأسر وطرد جميع المحسوبين على نجم الدين أيوب، وفي ذات الوقت تحرك نجم الدين من قلعته حتى يزحف إلى مصر ويستأثر بالعرش، وكانت شجرة الدر تعينه في ذلك كله وتشجعه عليه، فقد كان لها أطماع لا تخفى في أن تكون ملكة ويكون لها شأن وعرش، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن... فقد لقت سرية الأمير نجم الدين جيش بدر الدين لؤلؤ غريمه القديم، فانتصر بدر الدين لؤلؤ على الأمير نجم الدين وأسره هو وشجرة الدر، ومع ذلك فقد دبرت شجرة الدر الأمر لنجم الدين أيوب، فأرسلت إلى الخوارزميين والذين انهارت دولتهم على أيدي المغول فأصبحوا شرازم يأكلون بسيوفهم، فأصبحت قوتهم مع من يدفع لهم المقابل، فعرفت شجرة الدر ذلك واستنجدتهم فلبوا دعوتها وأعملوا القتل في جيش بدر الدين لؤلؤ وفر بدر الدين على حصانه بغير سرج ولا زينه هارباً لا يكاد يصدق أنه نجا بنفسه.

        أصبح الأمير نجم الدين لؤلؤ حراً مرة أخرى وتحرك إلى مصر صحبة سريته، لكنه هوجم مرة أخرى على يد الملك الناصر ابن عمه والذي أراد أن يقبض الثمن من أخيه الملك العادل بأن يوليه الملك العاد مُلك الشام، لكن شجرة الدر بدهائها المعهود أقنعت زوجة الملك الناصر أن يحرر زوجها نجم الدين على أن يوليه هو الشام، وأقنعتها قائلة أن الملك العادل لو كان يريد تولية زوجها الشام لكان عزل من عليها أولاً، فاقتنعت زوجة الملك الناصر واقنعت زوجها أن يحرر الأمير نجم الدين مقابل أن يوليه نجم الدين الشام.

        تحرك نجم الدين للمرة الثالثة اتجاه مصر، وفي هذه المرة نجح في دخولها بالفعل وتجمع له أنصاره ومواليه فقاتلوا معه حتى وقع أخوه الملك العادل في الأسر وتم لنجم الدين وشجرة الدر ما أرادا وأصبحوا ملك وملكة مصر، ولقب الملك نجم الدين نفسه بالملك الصالح.

        كان قطز يحب جيهان، ماشطة شجرة الدر وكانت هي تعلم بذلك وتبارك هذا الحب، خاصة وأنها تمتلك بهذا الحب ناصية أمر قطز وهو المملوك الهام القوي ذو السلطان لدى زوجها الملك الصالح، فقد كان قطز واحد من  أربعة مماليك عدتهم شجرة الدر من ذوي الحظوة والسلطان لدى زوجها الملك الصالح، فكانت تُمني الفتاة أن تتزوج من فتاها في قصر على النيل إن هو كان ولي لها.

        عز الدين أيبك كان الجاشنكير (من يتذوق الطعام قبل تقديمه إلى الملك) الخاص بزوجها وقد تسمم ذات مرة بسبب تسمم طعام الملك الصالح، وقد نجا من الموت بأعجوبة، فكان هو الثاني من المماليك المحظيين لدى الملك الصالح، وثالث المماليك المحظيين لديه هو آق طاي، والأخير هو قلاوون.

        رغم أن شجرة الدر وعدت جيهان أن تزوجها بقطز بعد مرور عام في عيد النيل، إلا أنها لم تستطع أن تبر بوعدها لهما، فقد لبست البلاد كلها ثوب الحداد على ابنها وابن الملك الصالح خليل، فقد ضاعت أحلام الملك والعرش بموته من ذهن شجرة الدر، وقد حزن على الخليل جميع المماليك لانهم اعتبروه واحد منهم وحزنت عليه مرضعته وبالطبع أباه الذي حاول مواساة شجرة الدر بكافة الطرق، لكن أشد ما كانت تخشاه شجرة الدر أن يؤول أمر البلاد إلى ابن زوجها توران شاه وهو الأهوج قليل الحيلة ضعيف العقل، فباتت هي وزوجها يتمنان  ولداً من بعد الخليل لكنهما لم يفلحا في ذلك أبداً.

        حاول الصليبيين الهجوم على مصر وقد كان الملك لويس التاسع قد عاهد الله لئن شفاه من مرضه ليقوم على بحملة صليبية أخرى على الشرق الغاصب، فلما أتم الله له ما أراد شرع يجهز جيشه ليسيره إلى مصر، فلما علم الملك الصالح بذلك وقد بدأت أعراض المرض تعتريه، أمر على جيشه صفيه الأمير فخر الدين حتى يتصدى للحملة الصليبية الغاشمة، لكن لسوء الحظ انتصر الصليبيون على فخر الدين وأجبروه على الفرار هارباً إلى ملكه الملك الصالح، فأمر الملك الصالح أن تقطع رأس خميسن أمير ممن لم يثبتوا أمام الصليبيين وأن يتم كذا قطع رقبة فخر الدين.

 

         دافعت شجرة الدر عن فخر الدين في حضرة الملك الكامل وقالت له: ما ذنب فخر الدين وقد هرب قواده ولم يثبت جيشه أمام أعداءه، فرد عليها الملك الصالح: ذنبه أنه لم يمت على فرسه وفي يده حسامه، ومع ذلك ومع شدة مجادلة شجرة الدر فيه وهبها الملك الصالح دم فخر الدين ومات من بعد ذلك.

        مات الملك الصالح نجم الدين أيوب في هذه الظروف العصيبة فأشار عليها فخر الدين الذي عفت عنه شجرة الدر أن تحكم هي باسم السلطان بغير علم من أحد لحين انقضاء الحرب ولحين أن تتدبر هي أمر نفسها، وبالفعل أنفذت شجرة الدر ما أشار به عليها نجم الدين وباتت تختم بأسم زوجها وتسير الجيوش وتأمر وتطاع باسمه وما شك في ذلك شاك، فقد كانت صحف الطعام تدخل على الملك الصالح وتخرج وعندما يستأذنه خاصته في الدخول لم يكن ليؤذن لهم بحجة أن الملك مريض، أما جثة الملك الصالح فقد تم تحنيتها وسيرتها شجرة الدر مع خاصتها والأمير فخر الدين في النيل بحيث لا يعلم لها مثوى.

        أمر واحد كان السبب في كشف سر موت الملك الصالح... هو تردد نجم الدين على قصره ليل نهار بغير أن يوقفه الحجاب عن ذلك، ورويداً رويداً أنكشف السر، ولم ترضى المماليك بملكاً غير توران شاه، فأرسل إليه المماليك يعزونه في موت أبيه ويبايعونه على الطاعة، فعندما علمت شجرة الدر بذلك استبقت بمكرها رسول المماليك وأرسلت رسولها ليسبق رسول المماليك إلى توران شاه لتكون له عندها قد صدق إن ظهر على الأمر.

        بالفعل تولى توران شاه قيادة الجيش وبجواره مماليك أبيه الأربعه يعضدونه ويشدون من أزره ويصدون معه الهجوم الصليبي الغاشم، والحق أن مقادير الله كانت في صالح المصريين حيث هبت رياح قوية عصفت بجميع السفن الصليبية وانتصر جيش توران شاه.

        رجع توران شاه إلى مصر مظفراً ممتلئاً بالغرور الزائف، فصار مكشوف الوجه يداعب جواري أبيه بغير تمييز ويعاقر الخمر، حتى امتدت يده على جيهان حبيبة بيبرس، فرفضت الانصياع له، وذهبت تشتكيه إلى سيدتها شجرة الدر، وأسفرت لها عن نيتها بأن تنتحر دفاعاً عن شرفها إن هو حاول معها ثانية، فالموت أهون عليها من أن تفرط في أمانة بيبرس، فشجعتها شجرة الدر على ذلك آملة في صراع مستقبلي بين بيبرس وتوران شاه.

 

        حاول توران شاه أن يواقع جيهان وشدها من قميصها حتى تعرت أمامه، فما قاومته بلغ منه الغرور والكبرياء مبلغه فأصر على إكمال ما بدأ فشرع يحاول أن يصل إلى موضع عفتها فماتت دون ذلك، وحملت على أكتاف الرجال مدرجة بدمها شريفة لم يمسس شرفها سوء، فلما بلغ ذلك بيبرس وقد كان على الجبهة يقضي على البقية الباقية من جنود الصلبيين... عز عليه أن يكون هو هاهنا يدافع عن كرامة وعزة بلده وسلطانه الذي يقاتل باسمه يهتك عرضه على هذا النحو من الخسة والوضاعة، وأقسم بيبرس أن يقتل توران شاه كما قتل جيهان.

 

        عندما رجع قطز إلى مصر بعد انتصاره على الصليبيين عمد إلى قصر توران شاه، فوجده سكراناً لا يدري ما يقول، وقد أمسك بيده سيفاً وأخذ يهزه في الهواء ويقطع به الشموع ويقول هكذا أفعل بالمماليك، فلما رآه قطز على هذا الحال جرد حسامه من عمده وقال بل هكذا نفعل نحن بك وهوى عليه بضربة شديدة توقاها توران شاه بيده فقطعتها، فبات توران شاه يجري في القصر ويستغيث أن المماليك يريدون أن يقتلوه بغير أن يحدد منهم يريد قتله، فلما أيقن المماليك أن التهمة  قد لصقت بهم وقد طفح الكيل بهم منه تمالئوا عليه ففر إلى برج في القصر يحتمي به فحرقوه عليه، فقفذ منه إلى النيل بعد أن كان قد حرق من النار... ورغم ذلك كله لم يمت توران شاه وظل يستغيث لكن قتله آق طاي وهو يستنجد في النيل فمات حريقاً غريقاً مذبوحاً غير مأسوف عليه.

          بعد قتل توران شاه خلا وجه العرش لشجرة الدر واستطاعت أن تستأثر به لنفسها، واتخذت لنفسها عز الدين أيبك ليكون من خاصتها ومنفذ لأوامرها، وأطلقت على نفسها لقب شجرة الدر أم خليل المستعصمية، وقد اختارت لقبها الأخير لتؤكد نسبتها إلى المعتصم بالله خليفة المسلمين في بغداد، وارسلت إليه تعلمه أنها تحكم مصر بأسمه، فلم يعجب ذلك المستعصم ورد عليها برسالة حملها رسول، أن لو لم يكن في مصر رجال لأرسل لهم واحداً من بغداد ليقوم عليهم، فلم يعجبها رد الخليفة المستعصم، وردت بأن هذا الخليفة ليس هو الحاكم بالفعل وإنما من يحكم هو وزيره ابن العلقمي الشيعي الرافضي وخصيانه وجواريه وأنه لا يملك من أمره شيئاً.

        لم تتسرع شجرة الدر في ردها على المستعصم بل تمهلت وتدبرت أمرها وتزوجت أيبك على أن يطلق امرأته ولا يسأل عن ولده منها أبداً ما حيا، وهو الأمر الذي وافق عليه عز الدين أيبك بالفعل وتمت الزيجة، وكانت شجرة الدر هي من تحكم وأيبك ينفذ ما تقضي به هي من تدبير.

        دبت الغيرة في نفس آق طاي... فكيف يكون الملك لأيبك المملوك ولا يستأثر هو بشئ، فقام باتخاذ مقر لنفسه وعين عليه الحجاب فلا يستطيع أحد الدخول عليه بلا استئذان وقام باختيار علم وراية لنفسه واتخذ الخاصة ليساعدوه فيما طمح له، بل وقصد آق طاي أن يباري أيبك في زيجته فقرر أن يتزوج أميرة بنت ملك، فتكون هي أفضل من شجرة الدر في إشارة واضحة من آق طاي أنه يستعلي عليهما (شجرة الدر وأيبك)، وهنا أوعظت شجرة الدر لأيبك أن يرسل إلى آق طاي كأنه يريد أن يستشيره في بعض الأمور حتى إذا أتى... أغلق الباب دون مماليكه وقتل وحزت رأسه والقت من أعلى القلعة، فلما رآها بيبرس وقلاوون وقد كانوا يهبون لنجدته خمدت مقاومتهم واستسلموا ورجعوا برأس آق طاي خائبين، ويذكر أن في جملة من قتل آقطاي كان قطز.

       استقرت الأمور لعز الدين أيبك من بعد ما قضى على آق طاي، وشرع يفكر في الفكاك من سلطان شجرة الدر، خاصة وأنها تتحكم في كل صغيرة وكبيرة من شئون الحكم بغير أن تشركه، وكان يعز عليه أنه لا يستطيع زيارة زوجته الأولى التي لم يطلقها حقيقة، فأشار إليه البعض أن يتزوج من ابنة أحد الملوك وكانت بنتي الملك المنصور والأمير بدر الدين لؤلؤ من ضمن المرشحات كزوجات له، فلما علمت شجرة الدر بنيته حاولت الاستعانة بالملك الناصر للقضاء على أيبك لكنه لم ينشط لذلك، فقامت هي باستدراجه إلى قصرها وهي في أحلى زينتها... فظن هو أن كبيراؤها قد زال فواقعها فرحاً ثم قام للاستحمام، وهنا انقض عليه غلمان وخصيان شجرة الدر ليضربونه عارياً وينزعون خصيتيه انتقاماً منه أنه فكر أن يتزوج من غيرها وأن يستولي على المُلك وحده.

        علم مماليك عز الدين أيبك بما كان من شجرة الدر فعزموا على قتلها، فتركوا أم علي زوجة قائدهم أيبك الأولى تدخل عليها لتقتلها في حمايتهم لكن شجرة الدر استطاعت الفرار منها إلى برج في القصر وقامت بجمع مجوهراتها وطحنتهم في الهون وذرتهم في الهواء ثم ألقت نفسها من أعلى البرج لتلفظ أنفاسها الأخيرة.

 

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا