تفعيل الأداء الأمني في ظل حقوق الإنسان

ورقة عمل في شأن

تفعيل الأداء الأمني في ظل حقوق الإنسان

 

مقدمة

 

        قد يظن الناظر للوهلة الأولى أن ثمة تعارض بين حقوق الإنسان وموجبات العمل الشرطي، فالعمل الشرطي يتطلب على الدوام التدخل في حياة الآخرين وثبر غور أنفسهم وذلك للتوصل إلى الأدلة التي تفيد في ضبط وإثبات الجرائم في حق أصحابها، وذلك في الحين الذي يستدعي فيه تطبيق قانون حقوق الإنسان عدم المساس بالحرمات الشخصية للمواطنين، وعدم تفتيشهم أو التعرض لهم إلا في الحالات القانونية التي تجيز ذلك، فيتوهم رجل الشرطة أن ثمة ضغط يمارس عليه من قبل قانون حقوق الإنسان ويحيل دون إتمامه لعمله على الوجه الذي يريد.

 

          لكن هذه النظرة المبدئية القاصرة ليست حقيقية، فليس ثمة تعارض حقيقي بين حقوق الإنسان وموجبات العمل الشرطي، بل بينهما صلة وضرورة بحيث تدلو كلاهما في دلو صاحبتها، فعندما تطبق حقوق الإنسان على النحو الصحيح فهذا يفيد العمل الأمني أكثر ما يفيده أي شئ آخر وذلك أن المواطن بذلك يشعر بمدى تقدير جهاز الشرطة له، وبمدى تقدير الشرطة لآدميته وإنسانيته فيتعاطف ويتعاون معها من أجل تحقيق الرسالة الأمنية في المجتمع، ولا يخفى على أحد النتيجة الهامة التي انتهت إليها الدول المتقدمة وأن الأمن في المجتمع ما له أن يتحقق إلا بتعاون المجتمع مع الشرطة لتحقيقه، لذلك إنشأ ما يسمى بالشرطة المجتمعية وذلك من أجل تفعيل تلك الصلة والحث عليها.

 

        والعكس صحيح فإن تم إعفال حقوق الإنسان في المجتمع بواسطة جهاز الشرطة فعادة ما ينقم المجتمع عليه ويحجم أن يتعاون معه ويؤثر عليه المجرم ظناً منه أن الشرطة  أشد إجراماً، أليست هي التي تفتش بلا مسوغ قانوني وتعذب لتتحصل على اعترفات غير صحيحة وتهين كرامة المواطن، لذلك وجب علينا من هذا المنطلق أن نهتم بحقوق الإنسان وتأصيل مبادئها لدى رجال الشرطة حتى يصبحوا أكثر قدرة على تطبيق مبادئها، حتى تتحقق الصلة المنشودة بين الشعب والشرطة وينتشر الأمن في ربوع المجتمع كثمرة ثمينة لهذه العلاقة الغالية.

 

لماذا ينظر رجال الشرطة إلى قانون حقوق الإنسان نظرة ارتياب؟

 

        معظم رجال الشرطة ينظرون إلى قانون حقوق الإنسان نظرة ارتياب وعدم ارتياح، وذلك نتيجة لفهمهم الخاطئ لدور هذا القانون، فهم يرونه كما سبق وأن أسلفت في المقدمة أنه قانون جاء ليقيد حريتهم في العمل... ويغل من أيديهم في ضبط الجناة ويصعب من مهمتهم في التحصل على الأدلة، ويرى معظم رجال الشرطة أن هذا القانون هو سيف مسلط على رقابهم ليتم عن طريقه تصيد الأخطاء لهم أثناء ممارستهم لعملهم فيستطيع عن طريقه العاملين في مجال حقوق الإنسان توجيه التهم إليهم والزج بهم في السجون تطبيقاً لقوانين لم يستطيعوا في يومٍ أن يفهموها.

        يرى عدد غير قليل من رجال الشرطة أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ما هو إلا أداة من أدوات الدول العظمى يستطيعون عن طريقها التدخل في أمور الدول المتقدمة فيملوا أرادتهم عليها بدعوى أن تلك الدول لا تحترم آدمية مواطنيها.

 

        ثم أين هي حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر برجال الشرطة أنفسهم، أين هم من ساعات العمل المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأين مرتباتهم مما تم النص عليه من ضرورة أن تحقق هذه المرتبات العيشة الكريمة لأصحابها... ففاقد الشئ لا يعطيه.

 

        "الشيطان يعظ" هكذا يرى رجل الشرطة حال الدول الغربية وهي تدافع عن حقوق الإنسان، فهي رغم توجيه التهم بالجملة للدول المتقدمة أنها لا تطبق حقوق الإنسان فهي ترتكب جرائم في حق الإنسانية بواسطة أجهزتها ضد الغير أو الآخر بغير أن يحكم عليها أحد، فهذه الولايات المتحدة الأمريكية تتهم كل من يحلو لها بمخالفة قانون حقوق الإنسان... ولا تجد هي غضاضة في مخالفته في جوانتانامو عندما تطبق ما يعرف بأساليب الاستجواب الحديثة على مسجونيها والتي تتضمن بالطبع طرق جديدة مبتكرة للتعذيب وحمل المسجون على الاعتراف بما لم يقترف.

 

كيف يمكن تأصيل مبادئ حقوق الإنسان لدى رجل الشرطة؟

 

        حتى يتثنى لنا غرس القيم المتعلقة بحقوق الإنسان لدى رجل الشرطة، فيجب علينا أن نعلمه أن حقوق الإنسان كقيمة مطلقة ليست أمراً مذموماً، فرغم أن الدول الغربية تتهمنا بالوحشية وترتكب هي هذه الجرائم في حق من يحلو لها، فهذا لا يعني أن حقوق الإنسان أمراً مذموماً، فهي نابعة من ثقافتنا الدينية التي نؤمن ونتمسك بها، وهناك الكثير من النصوص الدينية التي تدعم حقوق الإنسان وتحض عليها فاحترام الإنسان بغض النظر عن لونه يمكن الحض عليها بحديث رسول الله ص"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"  ويمكن دعم احترام أصحاب الديانات المختلفة بما ورد في الكتاب الكريم من قوله تعالى "لا إكراه في الدين" وكذلك بقول رسول الله ص "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه"، ولا أريد الإطاله في هذا المقام فالباحث لن يعدم النصوص الشرعية المختلفة التي تحض الإنسان على احترام حقوق الإنسان، فإن تم تأصيل هذه لاحقوق من الناحية الدينية فلا مراء سيحترمها رجل الشرطة وسيسعى إلى تطبيقها حتى يتحقق له الأجر والثواب، وستتغير نظرته إليها أنها صناعة غربية الغرض منها التدخل في شئون بلاده.

 

        يجب كذا التأكيد على المكاسب العملية التي ستتحقق لجهاز الشرطة إن قام أفرادة بتطبيق قانون حقوق الإنسان، فالشرطة عندئذٍ ستكون محبوبة من قبل المجتمع وسيتعاون معها من أجل تحقيق أهدافها الأمر الذي سيسهل من عملها ويعينها على نشر الأمن في ربوع المجتمع.

 

المواد التدريبية على حقوق الإنسان

 

يجب أن تشمل العملية التدريبية الخاصة بحقوق الإنسان بالنسبة لرجال الشرطة ثلاثة جزئيات أساسية.

 

أولاً: التعريف بحقوق الإنسان

 

        فيجب أن يتم تعريف حقوق الإنسان تعريفاً وافياً وأن يتم تأصيلها في ثقافتنا الدينية، بحيث يعلم رجل الشرطة أن مبادئ حقوق الإنسان لها وجود في النصوص الدينية الإسلامية والمسيحية على النحو الذي أسلفناه فتزيد قناعته بها ولا ينظر إليها أنها قيم غربية صنعت من أجل التدخل في الشئون الداخلية.

 

        ويجب التركيز من خلال هذه الجزئية على الحقوق الإنسانية الثلاثين التي انتهى إليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع توضيح أهم الحقوق التي لها علاقة مباشرة بالأعمال والممارسات الشرطية من مثل حق الإنسان في أن تحفظ كرامته وحقه في عدم القبض عليه بغير وجه حق ...الخ.

 

ثانياً: التطور التاريخي لحقوق الإنسان

 

        يجب أن يتم تعليم ضباط الشرطة مراحل التطور التاريخية التي مرت بها حقوق الإنسان بدائة من الوقت الذي كان الإنسان المتمتع بحقوق الإنسان هو من يملك القوة (الشخصية أو القبلية) وحتى جاء خن آنوب التاجر المصري والذي كتب أول وثائق في حقوق الإنسان ثم قورش العظيم 529 ق.م الذي فتح ببابل وحرر عبيدها وسمح لأهلها بحرية التدين فيما يعتقدون بغير جبر منه ثم المجناكارتا أو الشرعة العظمى 1215م، ثم عريضة حقوق الإنسان البريطانية في 1628م ووثيقة حقوق الإنسان البريطانية 1689م، والإعلان الأمريكي للاستقلال عام 1772 ثم حقوق الإنسان والمواطن الصادرين عن فرنسا عقب ثورتها الكبرى عام 1789م.

 

        ورغم كل تلك المراحل السابقة التي مرت بها قوانين حقوق الأنسان فإن ذلك لم يمنع من يقام الحرب العالمية الأولى والثانية والتي تم فيهما انتهاك حقوق الإنسان أشد ما يكون وراح ضحيتها حوالي 19 مليون إنسان من جميع أنحاء الأرض، الأمر الذي كان مدعاة لقيام عصبة الأمم المتحدة ثم الأمم المتحدة والتي صدر عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تم النص فيها على ثلاثين حقاً أساسياً يكون للإنسان بمجرد كونه إنساناً وبغض النظر عن أي شئ آخر.

        ويجب خلال هذه الجزئية التركيز على دور مصر القديمة والمتمثلة في الوثائق التي كتبها خن آنوب إلى الفرعون يدافع فيها عن حقوق الإنسان وإظهارها جلية واضحة إلى رجال الشرطة، حتى تزداد قناعتهم بأن حقوق الإنسان نابعة من الواقع الديني والحضاري المصري.

 

ثالثاً: تطبقيات حقوق الإنسان في الجهاز الشرطي

 

        تطبيقات حقوق الإنسان في الجهاز الشرطي هي الجزئية الأهم من سابقتيها، فإن كان التعريف بحقوق الإنسان وبيان تطوره التاريخي يمكن أن يحتل نصف وقت المحاضرة المعني بها رجال الشرطة، فإن شطر المحاضرة الآخر يجب أن يتم تخصيصه لبيان تطبيق تلك الحقوق الإنسانية في المجال الشرطي، ويجب تناول هذه الجزئية من خلال إظهار النصوص الداعمة لها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي يوافقها بعينها مواد محددة في الدستور. وفي التالي سرد لأهم الحقوق التي يجب على رجل الشرطة أن يراعي تطبيقها أثناء ممارسته لعمله الأمني...

 

  1. الحق في الكرامة الإنسانية: فقد نصت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه " يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء"، وقد استجاب الدستور المصري للمادة السابقة فنص في المادة 51 منه على أنه "الكرامة حق لكل إنسان، ولا جيوز المساس بهان وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها".
  2. الحق في الحماية من التعذيب: فقد نصت المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حماية المواطنين من التعذيب فنصت على أنه "لا يعرض أي إنسان للتعضيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة" وقد استجاب الدستور لذلك في المادة 52 منه فيما نصه "التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم"، وقد نصت المادة 126 من قانون العقوبات على تجريم التعذيب فيما نصه " كل موظف أو مستختدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالسجن المشدد أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر، وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقرة للقتل عمداً"
  3. الحرية حق لكل إنسان: فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"، وقد استجاب الدستور للمادة السابقة في مادته الـ54 فيما نصه "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق...الخ"
  4. المعاملة الحسنة لمن يقبض عليه: وبذلك نصت المادة 55 من الدستور والتي جاء فيها "مكل من يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته ولا يجوز تعذيبه ولا ترهيبه ولا إكراهه ولا إيذاؤه بدنياً أو معنوياً...الخ"
  5. الحق في التعبير عن الرأي: يجب أن يعلم رجال الشرطة أن الحق في التعبير عن الرأي مكفول بالدستور، فلكل مواطن أن يعبر عن رأيه على أن يلتزم بالضوابط القانونية لذلك، وهو الأمر الذي أكدته المادة 73 من الدستور المصري فيما نصه "للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكتب والتظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية غير حاملين سلاحاً من أي نوع بإخطار على النحو الذي ينظمه القانون، وحق الاجتماع الخاص سلمياً مكفول دون الحاجة إلى إخطار سابق، لا يجوز لرجال الأمن حضوره أو مراقبته أو التصنت عليه"، وبالطبع فقد جاء القانون رقم 107 لسنة 2013 ليبين ضوابط استخدام هذا الحق وحتى يستطيع المواطن معرفة ما له وما عليه في مسألة التعبير عن الرأي.

 

 

التوصيات

 

  1. يجب تأصيل حقوق الإنسان بحيث يقتنع رجل الشرطة أنها نابعة من ديننا وموروثنا الثقافي.
  2. التأكيد على الفائدة الحقيقية التي ستعود على جهاز الشرطة ورجاله إن تم الاهتمام بتطبيق قانون حقوق الإنسان.
  3. الاهتمام بمنح أكبر قدر من الحقوق لرجل الشرطة وذلك حتى يشعر باعتناء وزارته به ويستطيع بالتالي أن يوصل إحساسه بالعرفان إلى المواطن في الشارع.
  4. يجب التركيز من الناحية التدريبية أكثر ما يكون على تطبيقات حقوق الإنسان في الجهاز الشرطي، وأن يتم تبسيط المسألة بقدر الإمكان والإكثار من ضرب الأمثلة من الخبرات السابقة حتى يسهل هضم المسألة بالنسبة لرجل الشرطة وحتى يزيد إحساسه بعمق المشكلة وأن يتم تبديل المقاعد فينظر إلى المسألة من وجهة نظر المواطن.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا