شجون مصرية

أسم الكتاب: شجون مصرية

الكاتب: يوسف زيدان

دار النشر: ن للنشر والتوزيع

تاريخ النشر: 2015

رقم الطبعة: الأولى

 

        الحديث ذو شجون عبارة لا تعني أن الحديث له أحزان، لكن يراد بشجون الحديث... تشابكاتة وتفريعاتة. فشجو في اللغة جمعها شجون بمعنى أحزان، وشجن بمعنى حزن وجمعها أشجان، وأصل عبارة الحديث ذو شجون في التراث العربي القصة التالية....

 

        كان هناك رجلاً من العرب اسمه "ضبة بن أد بن طابخة" وكان له من الأبناء ثلاثة: باسل وسعد وسعيد... أما سعد وسعيد فقد نفرت في الصحراء إبل يملكها أبوهما "ضبة" فخرجا لاستعادتها، وكان هذا الأمر يستغرق أحياناً عدة أيام... وعاد سعد بالإبل ولم يعد سعيد قط، وانقطع خبره، فكان ضبة يقول إذا رأى رجلاً قادماً من بعيد أسعد هذا أم سعيد؟ فصارت هذه العبارة مثلاً سائراً على أسنة الناس.

        وذات يوم، التقى ضبة بواحد من الصعاليك الفُتَّاك في موضع ناءٍ بالصحراء، وقيل كان لقاؤهما في موسم الحج، وجرى بينهما الكلام حتى قال له محدثه (اسمه الحارث بن كعب) إنه لقى مرة شاباً وحيداً في الصحراء، فأراد أن يسلبه ما معه فاستعصى الشاب، فقتله وأخذ ما معه وكان من جُملة المسلوب سيف.. طلب منه ضبة أن يرى السيف، ولما رآه عرف أنه سيف سعيد وأن الحارث بن كعب هو الذي قتله، فطعنه بالسيف ذاته حتى قضى عليه، وأجاب على نظرة المقتول المُندهشة، بقوله: الحديث ذو شجون.

        وعدم معرفة دلالة الكلمات لهو من أكثر الشجون المصرية تشابكاً، فنحن نقول بكلماتٍ ولا نعرف معناها الحقيقي ونؤمن بمُسلمات تثبت مبادئ المنطق خطئها، فنحن نقول أن مصر هبة النيل، أي أن مصر هي هدية وهبة من النيل إلينا ولم نتسائل يوماً عن عدم منح النيل هبات للدول الأخرى التي يمر بأرضها، وعندما فطن البعض إلى ذلك عدلوا عن تلك المقولة بقول آخر مُشابه وأن مصر هبة المصريين، وكأن مصر يجب أن تكون هبة أحدهم، وأن هذه المَقولة مقدسة لا يجب التفريط فيها.

       الأمثال الشعبية تدل على ثقافة شعوبها، ففي الصين مثلاً يقولون لا تعطني كل يوم سمكة ولكن علمني كيف اصطاد، لكننا في مصر المُتشابكة لا نكاد نعرف ثابت. فحن نقول المثل وضده في نفس الوقت، فنحن نقول أنه لا يفوزُ باللَّذات إلا كل مُغامر، ونقول أيضاً من خاف سلم، ونقول "امشي سنة ولا تعدي قنا"،

        وفي سياق آخر نقدس التخصص في العمل فنقول "ادي العيش لخبازه" ثم نكفر بذلك ونقول "باب النجار مخلع"، وفي سياق آخر نقول "النار متحرقش مؤمن" ثم...." المؤمن مصاب"!!!!!!!!!!!!!

         مِن تشابكات الوضع المصري أيضاً أننا إذا أردنا أن نمتدح إنسان سببناه وإن أردنا سبه مدحناه، فعندما نحاول أن نجامل شخص في هذا الزمان الذي يحاول الجميع فيه خسارة شئ من وزنهم نقول له "أنتخسيت" مع أن الصفة مُشتقة من الخسة. وعندما نريد سب شخص نقول له "خول" مع أن خول في المعاجم تعني نعمة الله من العبيد والخدم والحشم، وقد نَسُب أحدهم بأنه "معرص" مع أن معرص أساسها من العرصة والعرصات وهي المساحة الواسعة بين البيوت، وعندما نقول لشخص أنه معرص فإن ذلك يعني أنه نشيط غير خامل.

          الأساس في التطور والتقدم الذي حدث للإنسان هو تراكم المعرفة أي نقل العلم من جيل إلى آخر وذلك عن طريق اللغة التي استخدمتها الأجيال لنقل وحفظ العلم[1]، وحضرني في هذا المقام قوله تعالى "وعلمنا آدم الأسماء كلها"، فالله هو صاحب الفضل على الإنسان في تعليمه اللغة التي حقق عن طريقها كل هذا التطور والتقدم.

        استخدم د. يوسف زيدان تعبير جميل ليُدلل على الأثر الذي يقوم به المثقف في مُجتمعه، فالفراشة رغم أن أثرها قد يبدو محدوداً لكثير من الناس، لكنه أثر ممتد، فيمكن لحركة خفيفة في الهواء في دولة ما أن تحدث إعصار في دولة أخرى، ويتحدث خلال هذا الفصل عن علاقة المثقف بالسلطة فيتحدث عن نصير الدين الطوسي وعلاقته بهولاكو وأنه وغيره قد يكونون مضطرون لدعم الأواصر مع السُلطة لحماية أنفسهم واخوانهم العلماء.

        في الفصل التالي من الكتاب يتناول د. زيدان للحياة الخاصة لبعض مشاهير الثقافة الذين عرفهم ومنهم أساتذته في الفلسفة الذين تتلمذ على يديهم، ويذكر كذا للعلاقة الخاصة التي ربطته بمُحمد شكري أحد تلامذته الذين توفوا وكانوا يعملون معه في قسمِ المخطوطات، أما الفصل السابق للأخير فهو يتناول فيه لسيرة رفاعة الطهطاوي على أهميته باعتباره جد لجميع مثقفي العرب، حتى لأن المثقف هذه الأيام إنما يوصف أنه حفيد رفاعه، ويذكر زيدان في جملة ما ذكر كيف أن رفاعة لم ينبهر بالغرب كما حدث مع غيره من مُثقفي عصره، وذلك ما كان إلا لاقتناعه وتشبعه بالتراث الثقافي لبلاده وافتخاره به، ويذكر عنه كذا كيف عمل بالترجمةِ وأنهُ كان المَنبت الذي نبت عنه جميع مُثقفي مصر، وفي نهاية الكتاب يتحدث الكاتب عن المستقبلِ وأن مُستقبل مصر القويم لن يتحقق إلا بثورةٍ ثقافية والسماح بتداول الأفكار وازدهار العلم والمعرفة، وإلا فلنفقد أي أمل في المستقبل.

 


[1] ص31

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا