غارب

رواية أكثر من رائعة، بذل فيها الكثير من الجهد وتعكس وعي قوي لصاحبها وتمكن من اللغة.

تتناول الرواية للأحداث السابقة لسقوط الأندلس على يد القشتاليين، القصة عن فارس أسود سليل ملوك بني الأحمر يمتطي جواداً أعمى ويبعث برسائله إلى ابنه، قد سميت الرواية غارب خلفاً للجواد الأعمى الذي صاحب موسى فارس بني الأحمر طوال رحلته، وكان موسى يرسل يوالي الرسائل إلى ابنه عبد الله يحكي له فيها عن أصله وطفولته وانتقاله إلى بلاد أخرى بسبب وثوب أخيه على أبيه كي ينتزع الملك من بين يديه، وكيف أن أبناء أخيه هم الآخرون قاموا بالوثوب عليه، وكأن الانقلابات بنو الأحمر على بعضهم البعض سنة ما بات أحد بقادر على تغييرها.

كانت هناك ثلاثة طوائف في الأندلس أهمهم بنو سراج: وهم من أقوى العصبيات ويساعدون الملوك في الانقلاب على بعضهم البعض حتى يحكمون هم في الخفاء من وراء الستار، وبنو ثغري: ولهم القوة والقواعد والحصون لكن ليس لديهم أحقية في الحكم، وبنو بنغيش: لهم الأموال والذهب، وكان الملك من بني الأحمر لا يأمن على نفسه أن يتم الوثوب عليه من أخ أو ابن أو قريب يعاونه في ذلك أحد الطوائف الثلاثة وخاصة بنو سراج.

عاش بطل الرواية في المنفى منذ نعومة أظافره، ينكر دمائه الزرقاء تقية أن يتم استهدافه، يستعير اسم جده لأمه حتى يتوارى عن أعين الناس، يموت سعد ابن الأحمر أبو موسى الملك الموثوب عليه من ابنه ... فيرعى الجد لأم موسى حتى يموت هو الآخر ومن بعده تموت ليلى أمه، يتزوج فاطمة ابنة خاله وينجب منها عبد الله ابنه الذي يبعث له بالرسائل، وقد افترق موسى عن فاطمه وابنه بسبب عداوته لأبيها وأخيها.

أمتهن موسى العديد من المهن فكان نساخ وطبيب ثم مقاتل يزود عن أرض الأجداد، تجددت الفرصة مرة ليسترد فاطمة زوجته وابنه... خاصة وقد زال العناد الذي كان بين أبيها وأخيها ... لكنه يتأبى ويتكبر فيمتنع عن ذلك نادماً، تمر الأشهر بموسى وتتوالى منه الرسائل حتى يموت فوق صهوة جواده غارب مدافعاً عن أرض بلاده التي تقطعت أوصالها بسبب شهوة الملك والطمع في الجاه وتصارع الأخوة وخيانة الأصدقاء.

أسلوب السرد في الرواية أكثر من رائع، فقد تم تقسيم فصولها إلى 12 فصلاً بحيث يحمل كل فصل أسم من شهور السنة الأفرنجية، لتتوالى الشهور فتنتهي الرواية في الشهر الأخير الذي فيه تسقط غرناطة آخر مدن الأندلس، أم الفروع التي في الفصول فقد تم تقسيمها ثلاثة في كل فصل على النحو التالي...

1- أنا: يتحدث موسى عن نفسه في هذا الفرع، وذلك من خلال الرسائل التي يرسلها إلى عبد الله ابنه ليتعرف عليه أكثر ويسوق له فيها الحكم، يتحدث موسى في هذا الفرع عن الأعلام التي قابلها والمهن التي تعلمها وأشهر مداخل تلك المهن وطرائفها، ويتحدث في هذا الفرع عن بعض الشخصيات التي قابلها خلال رحلته وما عرفه عنهم، وذلك مثله انقطاعه في حراسة القبور وملله من طول مدة بقائه وقراره أن يتتبع سير أصحاب شواهد القبور... الأمر الذي غمس القارئ في قصص أولئك الناس.

2- هو: يتحدث الكاتب على لسانه أو على لسان جبل شلير عن موسى بن الأحمر ويروي سيرته وسيرة من حوله من الناس.

2- أنت: في هذا الفرع تتحاجج النوازع داخل موسى، فنراها حية تنطق فهذا القلب وقد كناه الكاتب بالملك يهيمن على جميع الجوارح والنزعات، أما الوزير فهو العقل "أبو لبابة" هو من يعي الأشياء ويبلغها إلى الملك، أما الضمير فهو "القاضي" الذي تعرض عليه الأمور كلها ويحكم للحق وللقلب أن يرفض أو يقبل حكم القاضي، والحواس هي الجواسيس التي تأتي بالأخبار إلى الوزير من مثل جاسوس السمع وجاسوس البصر وجاسوس اللمس، أما النزعات والشهوات فقد أسماها الكاتب أرباض وهي أيضاً لها شخصيتها التي تميزها وهي تحاجج عن نفسها وتؤثر بإرادتها على سكان هذه المملكة العجيبة.

 

ونجد أنه في الفصل الواحد يتم تناول الحدث من وجهة نظر موسى "أنا" وقد يكتمل الحكي فيمن حوله من خلال الفصل "هو" ويظهر لنا حقيقة الأمر في نفس موسى من خلال أصغر الفصول "أنت".

الرواية رائعة في الجملة وبها الكثير من الاقتباسات العبقرية واسلوبها في السرد مميز وبديع، تحية من القبل إلى الكاتب الفذ، وإن كانت الرواية تحتاج إلى القارئ المخضرم ليتحمل وعورة اللغة المستخدمة التي ذكرتني بمقامات بديع الزمان الهمذاني.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا