الجمهورية

        كتابُ الجمهوريةِ لأفلاطون هو تفريغ للقاءٍ فكريّ جَمَعَهُ وغَيرَهُ من السوفسطائيينَ، حَيثُ يَعرِضُ من خلالِ عشرة فصول لفكرةِ تكوين الدولة وكيف أن الحاكمَ يَجِبُ أن يكونَ مِن الفلاسفةِ... وهو الأمر الذي دعاه لإنشاء الأكاديمية ليهتم من خلالها بتخريج الحُكام الفلاسفة ولنشر فكره الخاص لتكوين الدولة.

      يتناول  الفصلِ الأولِ لمفهومِ العدالةِ والفرق بين العدلِ والظُلمِ، وقد جادل ثيراسيماتشوس أفلاطون في أن الظُلمَ قد يُسَبِبُ السعادة للناسِ أكثر مِن العدلِ، ذلك أن الظالمَ يَكونُ في قدرةٍ دائمةٍ على مُجاملةِ الآخرينَ والتربُح مِن جراءِ ظُلمهِ وهو الأمر الذي قد يعجَزُ عنهُ العادلُ، ولم يوافقه أفلاطون في ذلك لأن مصدر السعادة هو العقل فهو المسئول عن الانتباه والاستمتاع بالحياة، وأي آفة تصيبه تمنعه من السعادة، والظلم آفة العقل، لذا يكونُ الظلمُ مِن أسبابِ الكدرِ.

        في شأنِ حال الظالمينَ، ينتهي الجدلُ بين المتجادلينَ أن الظالمينَ يكونوا نصف فاسدين في كثير من الأوقات وذلك حتى يستطيعوا أن يُمارسوا ظُلمهم على وجههِ الأكملِ. وفي طريقةٍ أخرى لبيان فضل العدل على الظلم... أن الفرد يحتاج إلى العدل لكي يمارس عمله على الوجه الأكمل الأمر الذي يجعله سعيداً في النهايةِ، فيكون من شأنِ العدل  تحقيق السعادة.

        ثار جدل خاص حول تأصل الخير أو العدل في نفسِ الإنسان، فلو توفر لشخص عادل خاتم معين يُحَقِقُ لهُ الخفاء عن أعين الناس فتكون معهُ قوة خارقة يمكنه أن يستخدمها لإنجاز ما شاء من أفعال فهل سيظل على عدلِه، في ذلك تحكي الأسطورة أنه كان أحد الأشخاص المُتصفين بالعدلِ والاستقامة وقد كان يعملُ بالرعي فانشقَتْ الأرضُ من أمامهُ نتيجة لزلزال فوجد أمامه هوة عميقة فنزل فيها فوجد أمور عجيبة من بينها خاتم قام بارتداءه ... وأثناء ارتداءه هذا الخاتم (خلال مقابلة مع الملك في اجتماع من الاجتماعات الدورية التي يقيمها للتعرُّفِ على حالِ الرُعاةِ) قامَ بالعبثِ بالخاتمِ فاختفى وتساءل الجمهور عنه ... فعرف هذه الخصيصة السحرية في الخاتم فقام بإغواءِ الملكة وقام بالتخلص من الملك بمساعدة الملكة من بعد ذلك.

        كان هناك فقرة خاصة بالحُراسِ والصفات والواجب توافرها فيهِم، وكان من أهمِ هذه الصفات الشجاعة والقُدرة البدنية على القتالِ وغيرها مِن الصفات الأخرى التي شبهها المُتجادلونَ بالصفاتِ المتوافرة في الكلبِ. ومع الصرامة الواجب توافرها في الحراس يجب ضمان عدم اعتدائهم على بعضهم البعض وذلك من خلال غرز بعض التعاليم والقيم الفلسفية بهم، أما بالنسبة لمناهج التعليم الخاصة بالحراس فتم تقسيمها إلى مناهج خاصة بالعقل ومناهج أخرى خاصة بالبدن، وقد قيلَ في المناهج الخاصة بالعقل النقاط التالية...

  1. ضرورة إزالة النواقص التي يوصَّمُ بها الآلهةَ حتى يتمَّ النظرُ إليها دائماً نظرة الإجلال، فليس من المتصور أن يجمعَ "أخيليس" بين خصلتين مذمومتين وهُما البخل وتحدي الآلهة وهو ابن إلهة وابن الحكيم "بيليوس".
  2. يجب أن يتم إزالة الاعتقاد أن الآخرة فيها العذاب والتيه والويل، لأن ذلك قد يجعل الحراس يُحجمونَ عن الموتِ ويُفَضِلونَ العيش حتى وإن كان بذلة.
  3. كل القصص التي يُذكَر فيها أن الرجال تَنوح للمصائب يجبُ أن يتم إزالتها من مناهج التعليم كون ذلك ليس من الصفات الكريمة التي يتمتعُ بها الرجالُ.

        أما التدريب البدني فقد قيل فيه أنه يجب أن يختلف عن التدريب العادي للرياضيين، فالرياضيون عادة ما ينامون مُعظم الأوقات وحالتهم البدنية عادة ما تتميز بالضعف العام إلا فيما يتخصص بهِ الرياضي من نشاط، ويجب كذلك تربية الحراس بدنياً على تناول كافة أصناف الطعام واحتساء كافة أنواع المَشروبات والمياة حتى يستطيعوا أن يتحملوا تغير حال الشراب مِن بلدٍ لأخر دون أن تسقمَ أجسادهم.

 

        كان لأفلاطون فكر خاص فيما تعلق بالأسرة والأبناء، فقد كان يؤمن بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة... وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا بإعطاءهم فُرَص مماثلة، وعليه فلا يُمكن إلزام المرأة بتربية الصغار فيما يُعفى من ذلكَ الرجال، وقد وجد أفلاطون حلا لمعضلة تربية الأطفال بأن يتم إيداعهم في دور رعاية تابعة للدولة حتى تتمكن المرأة من مُمارسة ذات المهام التي يُمارسها الرجل، ويمكنها كذا أن تتدرب معه عاريه بحيث لا يُغطيها شئ من الملابسِ سوى عفتها، وبالنسبة للغريزةِ الجنسية فإنهُ يتم ممارستها في مواسم خاصة بالزواج عن طريق القُرعة بحيثُ يُحدِّدُ الحاكمُ مَن مِن الحُراسِ سوف يعاشر مَن مِن النساءِ حتى يحصلوا على ذريةٍ طيبةٍ، أما باقي الزيجات فإنها تتحدد بنظام القرعة، والحارس الشجاع هو من يحصل على فرص أكبر في القرعة لمعاشرة عدد أكبر مِن النساءِ، أما بالنسبة للأطفال فإنها تكون ملكية شائعة لجميع الآباءِ والأمهات اليونانيون. وكان هناك اقتراح من أحد المُتجادلين أن يقوم الأطفال بحضور الحروب لإثارة حمية المقاتلين وحتى يتعلموا ويكونوا على معرفة بما هم مُقدمينَ عليه.

 

        ظهر مصطلح الحرب الأهلية أول ما ظهَر في كتاب الجمهورية لأفلاطون، حيث تم تصنيف الحروب التي يقوم بها اليونايون ضد رفاقهم حروب أهلية، أما تلك التي تكون بين اليوناييون وغيرهم من الأغيار فهي الحرب بمعناها المعروف.

        في الفصول المتقدمة من الكتاب يعيد أفلاطون طرح أهم هدف نادى بهِ في الكتاب ومن ضرورة أن يكون الحاكم فيلسوفاً ويحلل المصطلح بأنه يعني حب Philien الحكمة Sophia وأن الفيلسوف يجب أن يكون زاهداً في جميع مُتع الحياة، ويجِبُ أن لا  يتسم بالقوةِ البدنيةِ ولا يجب أن تكون له أُسْرَة كسائر المواطنينَ وذلك حتى يصلُ إلى الحقيقة المطلقة.

 

       

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا