الجاحظ "العبقرية الساخرة"

        هو عمرو بن بحر بن محبوب، ولد سنة 159 هـ في مدينة البصرة بالعراق وعاش في كنف الدولة العباسية وعاصر في حياته الخلفاء العباسيين: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم وغيرهم، كان قبيح المنظر قصير وبه جحوظ بعينيه ولذا كُنيَّ بالجاحظ.

        كان كثير السخرية من نفسه فقد روى عن نفسه أن امرأة جميلة في السوق قامت بشده من يديه ومشت معه في الأسواق حتى وصلت إلى محل صائغ، وعندما وصلت إليه وكلمته قالت له مثل هذا وأشارت إلى الجاحظ، فلم يفهم الجاحظ شيئاً وسأل الصائغ عن المسألة، فأخذ الصائغ في الضحك ووضح له الأمر بأن السيدة التي اصطحبته كانت تريد أن ترسم على خاتم صورة الشيطان، وعندما قال لها أنه لا يعرف ما صورة الشيطان فاصطحبت الجاحظ إليه لتكون صورة الشيطان إلى ذهنه أوضح. ويروي عن نفسه أنه كان يأكل في السوق مع أصحابه في أحد الأيام فمرت به امرأة شديدة الطول، فقال لها إنزلي كلي معنا، فقالت له بل أنت من يجب عليه الصعود ليرى الدنيا كما ينبغي.

        كان في البصرة سوق شهير يسمى المربد كان الجاحظ يذهب إليه باستمرار ليتعلم طبائع القوم وحقائق الأشياء، وكان هذا السوق يشبه عكاظ في لقاء أهل العلم به، وذات يوم رجع الجاحظ إلى أمه من السوق وطلب منها الطعام، ولم يكن عندها ما تقدمه له فقامت بوضع بعض الورق الذي يستخدمه في التدوين في طبق وقدمته له، وقد تألم الجاحظ أن ليس في بيته ما يأكل ولأن أمه لا تقدر ما يقوم به من عمل، فذهب للشكاية لأحد الشيوخ فأمده بغير القليل من المال ونصحه بالخروج مع القوافل للتعلم والتجارة وتوقع له بالمستقبل الواعد، وهو ما تم بالفعل... ومن خلال أسفار الجاحظ ومعرفته بالأمم وطبائع الناس كتب الكثير من الكتب عن طبائع البخلاء وكتب كتابه الحيوان وقد قام بتقسيمه إلى حيوانات تزحف وأخرى تمشي على أربع وأخرى بحرية.

 

        وقد كان الجاحظ يكتب الشعر، ولكنه اعترف أمام الملأ ممن كان يلقي عليهم شعره أنه ليس بشاعر، فقالوا له بل أنت تكتب شعر حسن، فقال لهم ولكن أين شعري هذا من شعر بشار بن برد وأبي نواس، وبدأ من بعد ذلك بالكتابة العلمية والأدبية وكان ينسب ما يكتبه بداءة إلى ابن المقفع خشية أن يسخر الناس مما يكتبه، ولكن عندما لاقى ما يكتبه استحسان الناس اعترف لهم بأنه هو الكاتب.

 

        وقد تعرض الجاحظ إلى الموت مرة، فقد كان في كبره صديقاً لأحد الوزراء الذين غضب عليهم الخليفة وقرر قتل كل من له علاقة بهذا الوزير، ففر الجاحظ حتى لا يطوله الموت، ولكن تم القبض عليه وسيق إلى الخليفة، وكان من الممكن أن يقتل الجاحظ في هذا الموقف لولا أنه أضحك جميع من في البلاط بخفة ظله وأقنعهم برجاحة عقله، فخرج من تلك الأزمة آمن. وقد مات عن عمر يناهز التسعين وهو يقرأ ويكتب، وقد كان من الممكن أن يريح نفسه وهو في هذه السن عن القراءة والكتابة من بعد أن أنعم الله عليه، ولكنه أبى إلا أن يموت بين كتبه وأوراقه.

التعليقات

    لا توجد نتائج.

اترك تعليقا